فهرس الكتاب

الصفحة 6092 من 8321

وقوله تعالى: { فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ } إشارة إلى الرسالة لأن الخطاب معه بما يوجب تسلية قلبه دليل اجتبائه واختياره إياه .

وقوله تعالى: { إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } يحتمل وجوهًا أحدها: أن يكون ذلك تهديدًا للمنافقين والكافرين فقوله: { مَا يُسِرُّونَ } من النفاق { وَمَا يُعْلِنُونَ } من الشرك والثاني: ما يسرون من العلم بك وما يعلنون من الكفر بك الثالث: ما يسرون من العقائد الفاسدة وما يعلنون من الأفعال القبيحة .

ثم إنه تعالى لما ذكر دليلًا من الآفاق على وجوب عبادته بقوله: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أنعاما } [ يس: 71 ] ذكر دليلًا من الأنفس . فقال: { أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه مِن نُّطْفَةٍ } قيل إن المراد بالإنسان أبيّ بن خلف فإن الآية وردت فيه حيث أخذ عظمًا باليًا وأتى النبي A وقال: إنك تقول إن إلهك يحيي هذه العظام فقال رسول الله A: نعم ويدخلك جهنم ، وقد ثبت في أصول الفقه أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ألا ترى أن قوله تعالى: { قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا } [ المجادلة: 1 ] نزلت في واحدة وأراد الكل في الحكم فكذلك كل إنسان ينكر الله أو الحشر فهذه الآية رد عليه إذا علمت عمومها فنقول فيها لطائف:

اللطيفة الأولى: قوله: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } [ يس: 71 ] معناه الكافرون المنكرون التاركون عبادة الله المتخذون من دونه آلهة ، أو لم يروا خلق الأنعام لهم وعلى هذا فقوله تعالى: { أَوَلَمْ يَرَ الإنسان } كلام أعم من قوله: { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } لأنه مع جنس الإنسان وهو مع جمع منهم فنقول سبب ذلك أن دليل الأنفس أشمل وأكمل وأتم وألزم ، فإن الإنسان قد يغفل عن الإنعام وخلقها عند غيبتها ولكن ( لا يغفل ) هو مع نفسه متى ما يكون وأينما يكون . فقال: إن غاب عن الحيوان وخلقه فهو لا يعيب عن نفسه ، فما باله أولم ير أنا خلقناه من نطفة وهو أتم نعمة ، فإن سائر النعم بعد وجوده وقوله: { مِن نُّطْفَةٍ } إشارة إلى وجه الدلالة ، وذلك لأن خلقه لو كان من أشياء مختلفة الصور كان يمكن أن يقال العظم خلق من جنس صلب واللحم من جنس رخو ، وكذلك الحال في كل عضو ، ولما كان خلقه عن نطفة متشابهة الأجزاء وهو مختلف الصور دل على الاختيار والقدرة إلى هذا أشار بقوله تعالى: { يسقى بِمَاء واحد } [ الرعد: 4 ] .

وقوله: { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } فيه لطيفة غريبة وهي أنه تعالى قال اختلاف صور أعضائه مع تشابه أجزاء ما خلق منه آية ظاهرة ومع هذا فهنالك ما هو أظهر وهو نطقه وفهمه ، وذلك لأن النطفة جسم ، فهب أن جاهلًا يقول إنه استحال وتكون جسمًا آخر ، لكن القوة الناطقة والقوة الفاهمة من أين تقتضيهما النطفة؟ فإبداع النطق والفهم أعجب وأغرب من إبداع الخلق والجسم وهو إلى إدراك القدرة والاختيار منه أقرب فقوله: { خَصِيمٌ } أي ناطق وإنما ذكر الخصيم مكان النطق لأنه أعلى أحوال الناطق ، فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه مثل ما يبينه وهو يتكلم مع غيره ، والمتكلم مع غيره إذا لم يكن خصمًا لا يبين ولا يجتهد مثل ما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه وقوله: { مُّبِينٌ } إشارة إلى قوة عقله ، واختار الإبانة لأن العاقل عند الإفهام أعلى درجة منه عند عدمه ، لأن المبين بان عنده الشيء ثم أبانه فقوله تعالى: { مِن نُّطْفَةٍ } إشارة إلى أدنى ما كان عليه وقوله: { خصيم مبين } إشارة إلى أعلى ما حصل عليه وهذا مثل قوله تعالى: { ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً } إلى أن قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت