فهرس الكتاب

الصفحة 2628 من 8321

قوله تعالى: { قُلْ ياأهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ الحق } .

اعلم أنه تعالى لما تكلم أولًا على أباطيل اليهود ، ثم تكلم ثانيًا على أباطيل النصارى وأقام الدليل القاهر على بطلانها وفسادها ، فعند ذلك خاطب مجموع الفريقين بهذا الخطاب فقال { ياأهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ الحق } والغلو نقيض التقصير . ومعناه الخروج عن الحد ، وذلك لأن الحق بين طرفي الافراط والتفريط ، ودين الله بين الغلو والتقصير . وقوله { غَيْرَ الحق } صفة المصدر ، أي لا تغلوا في دينكم غلوًا غير الحق ، أي غلوًا باطلًا ، لأن الغلو في الدين نوعان: غلو حق ، وهو أن يبالغ في تقريره وتأكيده ، وغلو باطل وهو أن يتكلف في تقرير الشبه وإخفاء الدلائل ، وذلك الغلو هو أن اليهود لعنهم الله نسبوه إلى الزنا . وإلى أنه كذاب ، والنصارى ادعوا فيه الإلهية .

ثم قال تعالى: { وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السبيل } وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: الأهواء هاهنا المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة . قال الشعبي: ما ذكر الله لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه . قال: { وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله } [ ص: 26 ] { واتبع هَوَاهُ فتردى } [ طه: 16 ] { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى } [ النجم: 3 ] { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ } [ الجاثية: 23 ] قال أبو عبيدة: لم نجد الهوى يوضع إلا في موضع الشر . لا يقال: فلان يهوى الخير ، إنما يقال: يريد الخير ويحبه . وقال بعضهم: الهوى إله يعبد من دون الله . وقيل: سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار ، وأنشد في ذم الهوى:

إن الهوى لهو الهوان بعينه ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا

وقال رجل لابن عباس: الحمد لله الذي جعل هواي على هواك ، فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة .

المسألة الثانية: أنه تعالى وصفهم بثلاث درجات في الضلال ، فبين أنهم كانوا ضالين من قبل ثم ذكر أنهم كانوا مضلين لغيرهم ، ثم ذكر أنهم استمروا على تلك الحالة حتى أنهم الآن ضالون كما كانوا ، ولا نجد حالة أقرب إلى العبد من الله والقرب من عقاب الله تعالى من هذه الحالة . نعوذُ بالله منها ، ويحتمل أن يكون المراد أنهم ضلوا وأضلوا ، ثم ضلوا بسبب اعتقادهم في ذلك الاضلال أنه إرشاد إلى الحق ، ويحتمل أن يكون المراد بالضلال الأول الضلال عن الدين ، وبالضلال الثاني الضلال عن طريق الجنة .

واعلم أنه تعالى لما خاطب أهل الكتاب بهذا الخطاب وصف أسلافهم فقال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت