فهرس الكتاب

الصفحة 942 من 8321

اعلم أن هذه الآية نظيرة قوله في آل عمران: { بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } [ آل عمران: 169 ] ووجه تعلق الآية بما قبلها كأنه قيل: استعينوا بالصبر والصلاة في إقامة ديني ، فإن احتجتم في تلك الإقامة إلى مجاهدة عدوي بأموالكم وأبدانكم ففعلتم ذلك فتلفت نفوسكم فلا تحسبوا أنكم ضيعتم أنفسكم بل اعلموا أن قتلاكم أحياء عندي وههنا مسائل:

المسألة الأولى: قال ابن عباس Bهما: نزلت الآية في قتلى بدر وقتل من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلًا ، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار ، فمن المهاجرين: عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب ، وعمر بن أبي وقاص ، وذو الشمالين ، وعمرو بن نفيلة ، وعامر بن بكر ، ومهجع بن عبد الله . ومن الأنصار: سعيد بن خيثمة ، وقيس بن عبد المنذر ، وزيد بن الحرث ، وتميم بن الهمام ، ورافع بن المعلى ، وحارثة بن سراقة ، ومعوذ بن عفراء ، وعوف بن عفراء ، وكانوا يقولون: مات فلان ومات فلان فنهى الله تعالى أن يقال فيهم أنهم ماتوا . وعن آخرين أن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم طلبًا لمرضاة محمد من غير فائدة فنزلت هذه الآية .

المسألة الثانية: { أَمْوَاتٌ } رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: لا تقولوا هم أموات .

المسألة الثالثة: في الآية أقوال:

القول الأول: أنهم في الوقت أحياء كأن الله تعالى أحياهم لإيصال الثواب إليهم وهذا قول أكثر المفسرين وهذا دليل على أن المطيعين يصل ثوابهم إليهم وهم في القبور ، فإن قيل: نحن نشاهد أجسادهم ميتة في القبور ، فكيف يصح ما ذهبتم إليه؟ قلنا: أما عندنا فالبنية ليست شرطًا في الحياة ولا امتناع في أن يعيد الله الحياة إلى كل واحد من تلك الذرات والأجزاء الصغيرة من غير حاجة إلى التركيب والتأليف ، وأما عند المعتزلة فلا يبعد أن يعيد الله الحياة إلى الأجزاء التي لا بد منها في ماهية الحي ولا يعتبر بالأطراف ، ويحتمل أيضًا أن يحييهم إذا لم يشاهدوا .

القول الثاني: قال الأصم: يعني لا تسموهم بالموتى وقولوا لهم الشهداء الأحياء ويحتمل أن المشركين قالوا: هم أموات في الدين كما قال الله تعالى: { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه } [ الأنعام: 122 ] فقال: ولا تقولوا للشهداء ما قاله المشركون ، ولكن قولوا: هم أحياء في الدين ولكن لا يشعرون ، يعني المشركون لا يعلمون أن من قتل على دين محمد E حي في الدين ، وعلى هدى من ربه ونور كما روي في بعض الحكايات أن رجلًا قال لرجل: ما مات رجل خلف مثلك ، وحكى عن بقراط أنه كان يقول لتلامذته: موتوا بالإرادة تحيوا بالطبيعة أي بالروح .

القول الثالث: أن المشركين كانوا يقولون: إن أصحاب محمد A يقتلون أنفسهم ويخسرون حياتهم فيخرجون من الدنيا بلا فائدة ويضيعون أعمارهم إلى غير شيء ، وهؤلاء الذين قالوا ذلك ، يحتمل أنهم كانوا دهرية ينكرون المعاد ، ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين بالمعاد إلا أنهم كانوا منكرين لنبوة محمد E ، فلذلك قالوا هذا الكلام ، فقال الله تعالى: ولا تقولوا كما قال المشركون إنهم أموات لا ينشرون ولا ينتفعون بما تحملوا من الشدائد في الدنيا ، ولكن اعلموا أنهم أحياء ، أي سيحيون فيثابون وينعمون في الجنة وتفسير قوله: { أَحْيَاء } بأنهم سيحيون غير بعيد ، قال الله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت