فهرس الكتاب

الصفحة 1989 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد في الآيات المتقدمة شرع ههنا في التحريض على بذل المال في الجهاد ، وبين الوعيد الشديد لمن يبخل ببذل المال في سبيل الله ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة { وَلاَ تَحْسَبَنَّ } بالتاء والباقون بالياء ، أما قراءة حمزة بالتاء المنقطة من فوق فقال الزجاج: معناه ولا تحسبن بخل الذين يبخلون خيرا لهم ، فحذف المضاف لدلالة يبخلون عليه ، وأما من قرأ بالياء المنقطة من تحت ففيه وجهان: الأول: أن يكون فاعل { يَحْسَبَنَّ } ضمير رسول الله A ، أو ضمير أحد ، والتقدير: ولا يحسبن رسول الله أو لا يحسبن أحد بخل الذين يبخلون خيرًا لهم . الثاني: أن يكون فاعل { يَحْسَبَنَّ } هم الذين يبخلون ، وعلى هذا التقدير يكون المفعول محذوفا ، وتقديره: ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم هو خيرًا لهم ، وانما جاز حذفه لدلالة يبخلون عليه ، كقوله: من كذب كان شرًا له ، أي الكذب ، ومثله:

إذا نهى السفيه جرى إليه ... أي السفه ، وأنشد الفراء

هم الملوك وأبناء الملوك هم ... والآخذون به والسادة الأول

فقوله به: يريد بالملك ولكنه اكتفى عنه بذكر الملوك .

المسألة الثانية: هو في قوله: { هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ } تسميه البصريون فصلا ، والكوفيون عمادًا ، وذلك لأنه لما ذكر «يبخلون» فهو بمنزلة ما اذا ذكر البخل ، فكأنه قيل: ولا يحسبن الذين يبخلون البخل خيرا لهم ، وتحقيق القول فيه أن للمبتدأ حقيقة ، وللخبر حقيقة ، وكون حقيقة المبتدأ موصوفا بحقيقة الخبر أمر زائد على حقيقة المبتدأ وحقيقة الخبر ، فاذا كانت هذه الموصوفية أمرا زائدا على الذاتين فلا بد من صيغة ثالثة دالة على هذه الموصوفية وهي كلمة «هو» .

المسألة الثالثة: اعلم أن الآية دالة على ذم البخل بشيء من الخيرات والمنافع ، وذلك الخير يحتمل أن يكون مالا ، وأن يكون علما .

فالقول الأول: ان هذا الوعيد ورد على البخل بالمال ، والمعنى: لا يتوهمن هؤلاء البخلاء أن بخلهم هو خير لهم ، بل هو شر لهم ، وذلك لأنه يبقى عقاب بخلهم عليهم ، وهو المراد من قوله: { سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة } مع أنه لا تبقى تلك الأموال عليهم وهذا هو المراد بقوله: { وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السموات والأرض } .

والقول الثاني: أن المراد من هذا البخل: البخل بالعلم ، وذلك لأن اليهود كانوا يكتمون نعت محمد A وصفته ، فكان ذلك الكتمان بخلا ، يقال فلان يبخل بعلمه ، ولا شك أن العلم فضل من الله تعالى قال الله تعالى: { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيمًا } [ النساء: 113 ] ثم إنه تعالى علم اليهود والنصارى ما في التوراة والأنجيل ، فاذا كتموا ما في هذين الكتابين من البشارة بمبعث محمد A كان ذلك بخلا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت