فهرس الكتاب

الصفحة 1990 من 8321

واعلم أن القول الأول أولى ، ويدل عليه وجهان: الأول: أنه تعالى قال: { سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ } ولو فسرنا الآية بالعلم احتجنا الى تحمل المجاز في تفسير هذه الآية ، ولو فسرناها بالمال لم نحتج الى المجاز فكان هذا أولى . الثاني: أنا لو حملنا هذه الآية على المال كان ذلك ترغيبا في بذل المال في الجهاد فحينئذ يحصل لهذه الآية مع ما قبلها نظم حسن ، ولو حملناها على أن اليهود كتموا ما عرفوه من التوراة انقطع النظم ، إلا على سبيل التكلف ، فكان الأول أولى .

المسألة الرابعة: أكثر العلماء على أن البخل عبارة عن منع الواجب ، وان منع التطوع لا يكون بخلا ، واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: ان الآية دالة على الوعيد الشديد في البخل ، والوعيد لا يليق إلا الواجب . وثانيها: أنه تعالى ذم البخل وعابه ، ومنع التطوع لا يجوز أن يذم فاعله وأن يعاب به . وثالثها: وهو أنه تعالى لا ينفك عن ترك التفضل لأنه لا نهاية لمقدوراته في التفضل ، وكل ما يدخل في الوجود فهو متناه ، فيكون لا محالة تاركا التفضل ، فلو كان ترك التفضل بخلا لزم أن يكون الله تعالى موصوفا بالبخل لا محالة ، تعالى الله D عنه علوا كبيرا . ورابعها: قال E:"وأي داء أدوأ من البخل"ومعلوم أن تارك التطوع لا يليق به هذا الوصف . وخامسها: أنه كان لو تارك التفضل بخيلا لوجب فيمن يملك المال كله العظيم أن لا يتخلص من البخل إلا باخراج الكل . وسادسها: أنه تعالى قال: { وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } [ البقرة: 3 ] وكلمة «من» للتبعيض ، فكان المراد من هذه الآية: الذين ينفقون بعض ما رزقهم الله ، ثم إنه تعالى قال في صفتهم: { أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون } [ البقرة: 5 ] فوصفهم بالهدى والفلاح ، ولو كان تارك التطوع بخيلا مذموما لما صح ذلك . فثبت بهذه الآية أن البخل عبارة عن ترك الواجب ، إلا أن الانفاق الواجب أقسام كثيرة ، منها انفاقه على نفسه وعلى أقاربه الذين يلزمه مؤنتهم ، ومنها ما يتصل بأبواب الزكاة ، ومنها ما إذا احتاج المسلمون إلى دفع عدو يقصد قتلهم ومالهم ، فههنا يجب عليهم انفاق الأموال على من يدفعه عنهم ، لأن ذلك يجري مجرى دفع الضرر عن النفس ، ومنها إذا صار أحد من المسلمين مضطرًا فإنه يجب عليه أن يدفع اليه مقدار ما يستبقي به رمقه ، فكل هذه الاتفاقات من الواجبات وتركه من باب البخل ، والله أعلم .

ثم قال تعالى: { سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: في تفسير هذا الوعيد وجوه: الأول: أن يحمل هذا على ظاهره وهو أنه تعالى يطوقهم بطوق يكون سببا لعذابهم . قيل: انه تعالى يصير تلك الأموال في أعناقهم حياة تكون لهم كالاطواق تلتوي في أعناقهم ، ويجوز أيضا أن تلتوي تلك الحيات في سائر أبدانهم ، فأما ما يصير من ذلك في أعناقهم فعلى جهة أنهم كانوا التزموا أداء الزكاة ثم امتنعوا عنها ، وأما ما يلتوي منها في سائر أبدانهم فعلى جهة أنهم كانوا يضمون تلك الأموال إلى أنفسهم ، فعوضوا منها بأن جعلت حيات التوت عليهم كأنهم قد التزموها وضموها إلى أنفسهم . ويمكن أن يكون الطوق طوقا من نار يجعل في أعناقهم ، ونظيره قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت