فهرس الكتاب

الصفحة 6342 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بيّن أن ذلك الرجل لم يقصر في تقرير الدين الحق ، وفي الذب عنه فالله تعالى رد عنه كيد الكافرين وقصد القاصدين ، وقوله تعالى: { فَوقَاهُ الله سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ } يدل على أنه لما صرّح بتقرير الحق فقد قصدوه بنوع من أنواع السوء ، قال مقاتل لما ذكر هذه الكلمات قصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه فلم يقدروا عليه ، وقيل المراد بقوله { فَوقَاهُ الله سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ } أنهم قصدوا إدخاله في الكفر وصرفه عن الإسلام فوقاه الله عن ذلك إلا أن الأول أولى لأن قوله بعد ذلك { وَحَاقَ بِئَالِ فِرْعَوْنَ سُوء العذاب } لا يليق إلا بالوجه الأول ، وقوله تعالى: { وَحَاقَ بِئَالِ فِرْعَوْنَ } أي أحاط بهم { سُوء العذاب } أي غرقوا في البحر ، وقيل بل المراد منه النار المذكورة في قوله { النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا } قال الزجاج { النار } بدل من قوله { سُوء العذاب } قال: وجائز أيضًا أن تكون مرتفعة على إضمار تفسير { سُوء العذاب } كأن قائلًا قال: ما سوء العذاب؟ فقيل: { النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا } .

قرأ حمزة { حاق } بكسر الحاء وكذلك في كل القرآن والباقون بالفتح أما قوله { النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على إثبات عذاب القبر قالوا الآية تقتضي عرض النار عليهم غدوًا وعشيًا ، وليس المراد منه يوم القيامة لأنه قال: { وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أَدْخِلُواْ ءالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب } ، وليس المراد منه أيضًا الدنيا لأن عرض النار عليهم غدوًا وعشيًا ما كان حاصلًا في الدنيا ، فثبت أن هذا العرض إنما حصل بعد الموت وقبل يوم القيامة ، وذلك يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء ، وإذ ثبت في حقهم ثبت في حق غيرهم لأنه لا قائل بالفرق ، فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار عليهم غدوًا وعشيًا عرض النصائح عليهم في الدنيا؟ لأن أهل الدين إذا ذكروا لهم الترغيب والترهيب وخوفوهم بعذاب الله فقد عرضوا عليهم النار ، ثم نقول في الآية ما يمنع من حمله على عذاب القبر وبيانه من وجهين: الأول: أن ذلك العذاب يجب أن يكون دائمًا غير منقطع ، وقوله { يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا } يقتضي أن لا يحصل ذلك العذاب إلا في هذين الوقتين ، فثبت أن هذا لا يمكن حمله على عذاب القبر الثاني: أن الغدوة والعشية إنما يحصلان في الدينا ، أما في القبر فلا وجود لهما ، فثبت بهذين الوجهين أنه لا يمكن حمل هذه الآية على عذاب القبر والجواب: عن السؤال الأول أن في الدنيا عرض عليهم كلمات تذكرهم أمر النار ، لا أنه يعرض عليهم نفس النار ، فعلى قولهم يصير معنى الآية الكلمات المذكرة لأمر النار كانت تعرض عليهم ، وذلك يفضي إلى ترك ظاهر اللفظ والعدول إلى المجاز ، أما قوله الآية تدل على حصول هذا العذاب في هذين الوقتين وذلك لا يجوز ، قلنا لم لا يجوز أن يكتفي في القبر بإيصال العذاب إليه في هذين الوقتين ، ثم عند قيام القيامة يلقى في النار فيدوم عذابه بعد ذلك ، وأيضًا لا يمتنع يأن يكون ذكر الغدوة والعشية كناية عن الدوام كقوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت