{ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا } [ مريم: 62 ] أما قوله إنه ليس في القبر والقيامة غدوة وعشية ، قلنا لم لا يجوز أن يقال إن عند حصول هذين الوقتين لأهل الدنيا يعرض عليهم العذاب؟ والله أعلم .
المسألة الثانية: قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم { أدخلوا آل فرعون } أي يقال لخزنة جهنم: أدخلوهم في أشد العذاب ، والباقون أدخلوا على معنى أنه يقال لهؤلاء الكفار: أدخلوا أشد العذاب ، والقراءة الأولى اختيار أبي عبيدة ، واحتج عليها بقوله تعالى: { يُعْرَضُونَ } فهذا يفعل بهم فكذلك { أَدْخِلُواْ } وأما وجه القراءة الثانية فقوله { ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ } ، وههنا آخر الكلام في قصة مؤمن آل فرعون .
واعلم أن الكلام في تلك القصة لما انجر إلى شرح أحوال النار ، لا جرم ذكر الله عقيبها قصة المناظرات التي تجري بين الرؤساء والأتباع من أهل النار فقال: { وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِى النار } والمعنى اذكر يا محمد لقومك إذ يتحاجون أي يحاجج بعضهم بعضًا ، ثم شرح خصومتهم وذلك أن الضعفاء يقولون للرؤساء { إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } في الدنيا ، قال صاحب «الكشاف» تبعًا كخدم في جمع خادم أو ذوي تبع أي أتباع أو وصفًا بالمصدر { فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مّنَ النار } أي فهل تقدرون على أن تدفعوا أيها الرؤساء عنا نصيبًا من العذاب ، واعلم أن أولئك الأتباع يعلمون أن أولئك الرؤساء لا قدرة لهم على ذلك التخفيف ، وإنما مقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تخجيل أولئك الرؤساء وإيلام قلوبهم ، لأنهم هم الذين سعوا في إيقاع هؤلاء الأتباع في أنواع الضلالات فعند هذا يقول الرؤساء { إِنَّا كُلٌّ فِيهَا } يعني أن كلنا واقعون في هذا العذاب ، فلو قدرت على إزالة العذاب عنك لدفعته عن نفسي ، ثم يقولون { إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد } يعني يوصل إلى كل أحد مقدار حقه من النعيم أو من العذاب ، ثم عند هذا يحصل اليأس للأتباع من المتبوعين فيرجعون إلى خزنة جهنم ويقولون لهم { ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفّفْ عَنَّا يَوْمًا مّنَ العذاب } فإن قيل لم لم يقل: وقال الذين في النار لخزنتها بل قال: { وَقَالَ الذين فِى النار لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ } ؟ قلنا فيه وجهان الأول: أن يكون المقصود من ذكر جهنم التهويل والتفظيع والثاني: أن يكون جهنم اسمًا لموضع هو أبعد النار قعرًا ، من قولهم بئر جهنام أي بعيدة القعر ، وفيها أعظم أقسام الكفار عقوبة وخزنة ذلك الموضع تكون أعظم خزنة جهنم عند الله درجة ، فإذا عرف الكفار أن الأمر كذلك استغاثوا بهم ، فأولئك الملائكة يقولون لهم { أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بالبينات } والمقصود أن قبل إرسال الرسل كان للقوم أن يقولوا إنه