المسألة الأولى: في كيفية النظم . اعلم أنه تعالى لما نفر الغافلين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق ، رغبهم في الآخرة بهذه الآية . ووجه الترغيب في الآخرة ما روي عن النبي A أنه قال: « مثلي ومثلكم شبه سيد بنى دارًا ووضع مائدة وأرسل داعيًا ، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المائدة ورضي عنه السيد . ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل ولم يرض عنه السيد فالله السيد ، والدار دار الإسلام ، والمائدة الجنة ، والداعي محمد عليه السلام » وعن النبي A أنه قال: « ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنيبها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلائق إلا الثقلين . أيها الناس؛ هلموا إلى ربكم والله يدعوا إلى دار السلام »
المسألة الثانية: لا شبهة أن المراد من دار السلام الجنة ، إلا أنهم اختلفوا في السبب الذي لأجله حصل هذا الاسم على وجوه: الأول: أن السلام هو الله تعالى ، والجنة داره . ويجب علينا ههنا بيان فائدة تسمية الله تعالى بالسلام ، وفيه وجوه: أحدها: أنه لما كان واجب الوجود لذاته فقد سلم من الفناء والتغير ، وسلم من احتياجه في ذاته وصفاته إلى الافتقار إلى الغير ، وهذه الصفة ليست إلا له سبحانه كما قال: { والله الغنى وَأَنتُمُ الفقراء } [ محمد: 38 ] وقال: { ياأيها الناس أَنتُمُ الفقراء إِلَى الله } [ فاطر: 15 ] وثانيها: أنه تعالى يوصف بالسلام بمعنى أن الخلق سلموا من ظلمه ، قال: { وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ } [ فصلت: 46 ] ولأن كل ما سواه فهو ملكه وملكه ، وتصرف الفاعل في ملك نفسه لا يكون ظلمًا . ولأن الظلم إنما يصدر إما عن العاجز أو الجاهل أو المحتاج ، ولما كان الكل محالًا على الله تعالى ، كان الظلم محالًا في حقه . وثالثها: قال المبرد: إنه تعالى يوصف بالسلام بمعنى أنه ذو السلام ، أي الذي لا يقدر على السلام إلا هو ، والسلام عبارة عن تخليص العاجزين عن المكاره والآفات . فالحق تعالى هو الساتر لعيوب المعيوبين ، وهو المجيب لدعوة المضطرين ، وهو المنتصف للمظلومين من الظالمين . قال المبرد: وعلى هذا التقدير: السلام مصدر سلم .
القول الثاني: السلام جمع سلامة ، ومعنى دار السلام: الدار التي من دخلها سلم من الآفات . فالسلام ههنا بمعنى السلامة ، كالرضاع بمعنى الرضاعة . فإن الإنسان هناك سلم من كل الآفات ، كالموت والمرض والألم والمصائب ونزعات الشيطان والكفر والبدعة والكد والتعب .
والقول الثالث: أنه سميت الجنة بدار السلام لأنه تعالى يسلم على أهلها قال تعالى: { سَلاَمٌ قَوْلًا مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } [ يس: 58 ] والملائكة يسلمون عليهم أيضًا ، قال تعالى: { والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ }