{ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا } [ الفرقان: 23 ] فلما صار سعي هذا الزراع باطلًا بسبب حدوث الأسباب المهلكة ، فكذلك سعي المغتر بالدنيا .
والوجه الرابع: أن مالك ذلك البستان لما عمره بأتعاب النفس وكد الروح ، وعلق قلبه على الانتفاع به ، فإذا حدث ذلك السبب المهلك ، وصار العناء الشديد الذي تحمله في الماضي سببًا لحصول الشقاء الشديد له في المستقبل ، وهو ما يحصل له في قلبه من الحسرات . فكذلك حال من وضع قلبه على الدنيا وأتعب نفسه في تحصيلها ، فإذا مات ، وفاته كل ما نال ، صار العناء الذي تحمله في تحصيل أسباب الدنيا ، سببًا لحصول الشقاء العظيم له في الآخرة .
والوجه الخامس: لعله تعالى إنما ضرب هذا المثل لمن لا يؤمن بالمعاد ، وذلك لأنا نرى الزرع الذي قد انتهى إلى الغاية القصوى في التربية ، قد بلغ الغاية في الزينة والحسن . ثم يعرض للأرض المتزينة به آفة ، فيزول ذلك الحسن بالكلية ، ثم تصير تلك الأرض موصوفة بتلك الزينة مرة أخرى . فذكر هذا المثال ليدل عل أن من قدر على ذلك ، كان قادرًا على إعادة الأحياء في الآخرة ليجازيهم على أعمالهم ، إن خيرًا فخير ، وإن شرًا فشر .
المسألة الثانية: المثل: قول يشبه به حال الثاني بالأول ، ويجوز أن يكون المراد من المثل الصفة . والتقدير: إنما صفة الحياة الدنيا . وأما قوله: { وازينت } فقال الزجاج: يعني تزينت فأدغمت التاء في الزاي وسكنت الزاي فاجتلب لها ألف الوصل ، وهذا مثل ما ذكرنا في قوله: { ادارأتم } [ البقرة: 72 ] { اداركوا } [ الأعراف: 38 ] .
وأما قوله: { وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا } فقال ابن عباس Bهما: يريد أن أهل تلك الأرض قادرون على حصادها وتحصيل ثمراتها . والتحقيق أن الضمير وإن كان في الظاهر عائدًا إلى الأرض ، إلا أنه عائد إلى النبات الموجود في الأرض . وأما قوله: { أَتَاهَا أَمْرُنَا } فقال ابن عباس Bهما: يريد عذابنا . والتحقيق أن المعنى أتاها أمرنا بهلاكها . وقوله: { فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا } قال ابن عباس: لا شيء فيها ، وقال الضحاك: يعني المحصود . وعلى هذا ، المراد بالحصيد الأرض التي حصد نبتها ، ويجوز أن يكون المراد بالحصيد النبات ، قال أبو عبيدة: الحصيد المستأصل ، وقال غيره: الحصيد المقطوع والمقلوع . وقوله: { كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالامس } قال الليث: يقال للشيء إذا فنى: كأن لم يغن بالأمس . أي كأن لم يكن من قولهم غني القوم في دارهم ، إذا أقاموا بها ، وعلى هذا الوجه يكون هذا صفة للنبات . وقال الزجاج: معناه: كأن لم تعمر بالأمس ، وعلى هذا الوجه فالمراد هو الأرض ، وقوله: { كذلك نُفَصّلُ الآيات } أي نذكر واحدة منها بعد الأخرى ، على الترتيب . ليكون تواليها وكثرتها سببًا لقوة اليقين ، وموجبًا لزوال الشك والشبهة .