فهرس الكتاب

الصفحة 5935 من 8321

ذكر الأصول الثلاثة في هذه الآية بعد ما سبق منه تقريرها بالدلائل فقوله: { أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ } إشارة إلى التوحيد وقوله: { مَا بِصَاحِبِكُمْ مّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ } إشارة إلى الرسالة وقوله: { بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } إشارة إلى اليوم الآخر وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قوله: { إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بواحدة } يقتضي أن لا يكون إلا بالتوحيد ، والإيمان لا يتم إلا بالاعتراف بالرسالة والحشر ، فكيف يصح الحصر المذكور بقوله: { إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بواحدة } فنقول التوحيد هو المقصود ومن وحد الله حق التوحيد يشرح الله صدره ويرفع في الآخرة قدره فالنبي A أمرهم بما يفتح عليهم أبواب العبادات ويهيء لهم أسباب السعادات ، وجواب آخر وهو أن النبي A ما قال إني لا آمركم في جميع عمري إلا بشيء واحد ، وإنما قال أعظكم أولًا بالتوحيد ولا آمركم في أول الأمر بغيره لأنه سابق على الكل ويدل عليه قوله تعالى: { ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ } فإن التفكر أيضًا صار مأمورًا به وموعوظًا .

المسألة الثانية: قوله: { بواحدة } قال المفسرون أنثها على أنها صفة خصلة أي أعظكم بخصلة واحدة ، ويحتمل أن يقال المراد حسنة واحدة لأن التوحيد حسنة وإحسان وقد ذكرنا في قوله تعالى: { إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان } [ النحل: 29 ] أن العدل نفي الإلهية عن غير الله والإحسان إثبات الإلهية له ، وقيل في تفسير قوله تعالى: { هَلْ جَزَاء الإحسان إِلاَّ الإحسان } [ الرحمن: 60 ] أن المراد هل جزاء الإيمان إلا الجنان ، وكذلك يدل عليه قوله تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مّمَّن دَعَا إِلَى الله } [ فصلت: 33 ] .

المسألة الثالثة: قوله: { مثنى وفرادى } إشارة إلى جميع الأحوال فإن الإنسان إما أن يكون مع غيره أو يكون وحده ، فإذا كان مع غيره دخل في قوله: { مثنى } وإذا كان وحده دخل في قوله: { فرادى } فكأنه يقول تقوموا لله مجتمعين ومنفردين لا تمنعكم الجمعية من ذكر الله ولا يحوجكم الانفراد إلى معين يعينكم على ذكر الله .

المسألة الرابعة: قوله: { ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ } يعني اعترفوا بما هو الأصل والتوحيد ولا حاجة فيه إلى تفكر ونظر بعد ما بان وظهر ، ثم تتفكروا فيما أقول بعده من الرسالة والحشر ، فإنه يحتاج إلى تفكر ، وكلمة ثم تفيد ما ذكرنا ، فإنه قال: { أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ } ثم بين ما يتفكرون فيه وهو أمر النبي عليه السلام فقال: { مَا بِصَاحِبِكُمْ مّن جِنَّةٍ } .

المسألة الخامسة: قوله: { مَا بِصَاحِبِكُمْ مّن جِنَّةٍ } يفيد كونه رسولًا وإن كان لا يلزم في كل من لا يكون به جنة أن يكون رسولًا ، وذلك لأن النبي عليه السلام كان يظهر منه أشياء لا تكون مقدورة للبشر وغير البشر ممن تظهر منه العجائب إما الجن أو الملك ، وإذا لم يكن الصادر من النبي A بواسطة الجن يكون بواسطة الملك أو بقدرة الله تعالى من غير واسطة ، وعلى التقديرين فهو رسول الله ، وهذا من أحسن الطرق ، وهو أن يثبت الصفة التي هي أشرف الصفات في البشر بنفي أخس الصفات ، فإنه لو قال أولًا هو رسول الله كانوا يقولون فيه النزاع ، فإذا قال ما هو مجنون لم يسعهم إنكار ذلك لعلمهم بعلو شأنه وحاله في قوة لسانه وبيانه فإذا ساعدوا على ذلك لزمتهم المسألة . ولهذا قال بعده { إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ } يعني إما هو به جنة أو هو رسول لكن تبين أنه ليس به جنة فهو نذير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت