فهرس الكتاب

الصفحة 3737 من 8321

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: أن الذي يغلب على ظني أن ابتداء هذه السورة في ذكر شبهات المنكرين للنبوة مع الجواب عنها .

فالشبهة الأولى: أن القوم تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمدًا عليه السلام بالنبوة فأزال الله تعالى ذلك التعجب بقوله: { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ } [ يونس: 2 ] ثم ذكر دلائل التوحيد ودلائل صحة المعاد ، وحاصل الجواب أنه يقول: إني ما جئتكم إلا بالتوحيد والإقرار بالمعاد ، وقد دللت على صحتها ، فلم يبق للتعجب من نبوتي معنى .

والشبهة الثانية: للقوم أنهم كانوا أبدًا يقولون: اللهم إن كان ما يقول محمد حقًا في ادعاء الرسالة فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب إليم . فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بما ذكره في هذه الآية . فهذا هو الكلام في كيفية النظم . ومن الناس من ذكر فيه وجوهًا أخرى: فالأول: قال القاضي: لما بين تعالى فيما تقدم الوعد والوعيد أتبعه بما دل على أن من حقهما أن يتأخرا عن هذه الحياة الدنيوية لأن حصولهما في الدنيا كالمانع من بقاء التكليف . والثاني: ما ذكره القفال: وهو أنه تعالى لما وصف الكفار بأنهم لا يرجون لقاء الله ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، وكانوا عن آيات الله غافلين؛ بين أن من غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب جهلًا منهم وسفهًا .

المسألة الثانية: أنه تعالى أخبر في آيات كثيرة أن هؤلاء المشركين متى خوفوا بنزول العذاب في الدنيا استعجلوا ذلك العذاب كما قالوا: { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الأنفال: 32 ] وقال تعالى: { سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } [ المعارج: 1 ] الآية . ثم إنهم لما توعدوا بعذاب الآخرة في هذه الآية وهو قوله: { أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النار بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [ يونس: 8 ] استعجلوا ذلك العذاب ، وقالوا: متى يحصل ذلك كما قال تعالى: { يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا } [ الشورى: 18 ] وقال في هذه السورة بعد هذه الآية: { وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين } [ يونس: 48 ] إلى قوله: { الآن وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } [ يونس: 51 ] وقال في سورة الرعد: { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات } [ الرعد: 6 ] فبين تعالى أنهم لا مصلحة لهم في تعجيل إيصال الشر إليهم ، لأنه تعالى لو أوصل ذلك العقاب إليهم لماتوا وهلكوا ، لأن تركيبهم في الدنيا لا يحتمل ذلك ولا صلاح في إماتتهم ، فربما آمنوا بعد ذلك ، وربما خرج من صلبهم من كان مؤمنًا ، وذلك يقتضي أن لا يعاجلهم بإيصال ذلك الشر .

المسألة الثالثة: في لفظ الآية إشكال ، وهو أن يقال: كيف قابل التعجل بالاستعجال ، وكان الواجب أن يقابل التعجيل بالتعجيل ، والاستعجال بالاستعجال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت