اعلم أنه تعالى لما شرح كون القرآن كتابًا نازلًا من عند الله وبين ما فيه من صفات الجلالة والشرف والرفعة ، ذكر عقيبه ما يدل على وعيد من ادعى النبوة والرسالة على سبيل الكذب والافتراء فقال: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا } وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى عظم وعيد من ذكر أحد الأشياء الثلاثة: فأولها: أن يفتري على الله كذبًا . قال المفسرون: نزل هذا في مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة ، وفي الأسود العنسي صاحب صنعاء ، فإنهما كانا يدعيان النبوة والرسالة من عند الله على سبيل الكذب والافتراء ، وكان مسيلمة يقول: محمد رسول قريش ، وأنا رسول بني حنيفة . قال القاضي: الذي يفتري على الله الكذب يدخل فيه من يدعي الرسالة كذبًا ، ولكن لا يقتصر عليه ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . فكل من نسب إلى الله تعالى ما هو برىء منه ، إما في الذات ، وإما في الصفات وإما في الأفعال كان داخلًا تحت هذا الوعيد . قال: والافتراء على الله في صفاته ، كالمجسمة ، وفي عدله كالمجبرة ، لأن هؤلاء قد ظلموا أعظم أنواع الظلم بأن افتروا على الله الكذب ، وأقول: أما قوله: المجسمة قد افتروا على الله الكذب ، فهو حق . وأما قوله: إن هذا افتراء على الله في صفاته ، فليس بصحيح . لأن كون الذات جسمًا ومتحيزًا ليس بصفة ، بل هو نفس الذات المخصوصة ، فمن زعم أن إله العالم ليس بجسم ، كان معناه أنه يقول: جميع الأجسام والمتحيزات محدثة ، ولها بأسرها خالق هو موجود ليس بمتحيز ، والمجسم ينفي هذه الذات ، فكان الخلاف بين الموحد والمجسم ليس في الصفة بل في نفس الذات ، لأن الموحد يثبت هذه الذات والمجسم ينفيها ، فثبت أن هذا الخلاف لم يقع في الصفة ، بل في الذات . وأما قوله: المجبرة قد افتروا على الله تعالى في صفاته ، فليس بصحيح ، لأنه يقال له المجبرة ما زادوا على قولهم الممكن لا بد له من مرجح ، فإن كذبوا في هذه القضية ، فكيف يمكنهم أن يعرفوا وجود الإله؟ وإن صدقوا في ذلك لزمهم الإقرار بتوقيف صدور الفعل على حصول الداعي بتخليق الله تعالى ، وذلك عين ما نسميه بالجبر ، فثبت أن الذي وصفه بكونه افتراء على الله باطل ، بل المفتري على الله من يقول الممكن لا يتوقف رجحان أحد طرفيه على الآخر على حصول المرجح . فإن من قال هذا الكلام لزمه نفي الصانع بالكلية ، بل يلزمه نفي الآثار والمؤثرات بالكلية .
والنوع الثاني: من الأشياء التي وصفها الله تعالى بكونها افتراء قوله: { أَوْ قَالَ أُوْحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْء } والفرق بين هذا القول وبين ما قبله ، أن في الأول كان يدعي أنه أوحي إليه وما كان يكذب بنزول الوحي على محمد A ، وأما في هذا القول ، فقد أثبت الوحي لنفسه ونفاه عن محمد E ، وكان هذا جمعًا بين نوعين عظيمين من الكذب ، وهو إثبات ما ليس بموجود ونفي ما هو موجود .