فهرس الكتاب

الصفحة 7615 من 8321

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن التبتل إليه لا يحصل إلا بعد حصول المحبة ، والمحبة لا تليق إلا بالله تعالى ، وذلك لأن سبب المحبة إما الكمال وإما التكميل ، أما الكمال فلأن الكمال محبوب لذاته إذ من المعلوم أنه يمتنع أن يكون كل شيء إنما كان محبوبًا لأجل شيء آخر ، وإلا لزم التسلسل ، فإذًا لا بد من الانتهاء إلى ما يكون محبوبًا لذاته ، والكمال محبوب لذاته ، فإن من اعتقد أن فلانًا الذي كان قبل هذا بألف سنة كان موصوفًا بعلم أزيد من علم سائر الناس مال طبعه إليه وأحبه شاء أم أبى ، ومن اعتقد في رستم أنه كان موصوفًا بشجاعة زائدة على شجاعة سائر الناس أحبه شاء أم أبى ، فعلمنا أن الكمال محبوب لذاته وكمال الكمال لله تعالى ، فالله تعالى محبوب لذاته ، فمن لم يحصل في قلبه محبته كان ذلك لعدم علمه بكماله ، وأما التكميل فهو أن الجواد محبوب والجواد المطلق هو الله تعالى فالمحبوب المطلق هو الله تعالى ، والتبتل المطلق لا يمكن أن يحصل إلا إلى الله تعالى ، لأن الكمال المطلق له والتكميل المطلق منه ، فوجب أن لا يكون التبتل المطلق إلا إليه ، واعلم أن التبتل الحاصل إليه بسبب كونه مبدأ للتكميل مقدم على التبتل الحاصل إليه بسبب كونه كاملًا في ذاته ، لأن الإنسان في مبدأ السير يكون طالبًا للحصة فيكون تبتله إلى الله تعالى بسبب كونه مبدأ للتكميل والإحسان ، ثم في آخر السير يترقى عن طلب الحصة كما بينا من أنه يصير طالبًا للمعروف لا للعرفان ، فيكون تبتله في هذه الحالة بسبب كونه كاملًا فقوله: { رَّبُّ المشرق والمغرب } إشارة إلى الحالة الأولى التي هي أول درجات المتبتلين وقوله: { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } إشارة إلى الحالة الثانية التي هي منتهى درجات المتبتلين ومنتهى أقدام الصديقين ، فسبحان من له تحت كل كلمة سر مخفي ، ثم وراء هاتين الحالتين مقام آخر ، وهو مقام التفويض ، وهو أن يرفع الاختيار من البين ، ويفوض الأمر بالكلية إليه ، فإن أراد الحق به أن يجعله متبتلًا رضي بالتبتل لا من حيث إنه هو ، بل من حيث إنه مراد الحق ، وإن أراد به عدم التبتل رضي بعدم التبتل لا من حيث إنه عدم التبتيل ، بل من حيث إنه مراد الحق ، وههنا آخر الدرجات ، وقوله: { فاتخذه وَكِيلًا } إشارة إلى هذه الحالة ، فهذا ما جرى به القلم في تفسير في هذه الآية ، وفي الزوايا خبايا ، ومن أسرار هذه الآية بقايا { وَلَوْ أَنَّمَا فِى الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كلمات الله } [ لقمان: 27 ] .

المسألة الثانية: { رَبّ } فيه قراءتان إحداهما: الرفع ، وفيه وجهان: أحدهما: على المدح ، والتقدير هو رب المشرق ، فيكون خبر مبتدأ محذوف ، كقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت