وقد ذكرنا مرارًا أن الله تعالى بعد ذكر تعظيم نفسه يذكر الشفقة على خلقه ، ولا شك أن قليل الهجوع المستغفر في وجوه الأسحار وجد منه التعظيم العظيم ، فأشار إلى الشفقة بقوله: { وَفِى أموالهم حَقٌّ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: أضاف المال إليهم ، وقال في مواضع: { أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ الله } [ ياس: 47 ] وقال: { وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } [ الشورى: 38 ] نقول سببه أن في تلك المواضع كان الذكر للحث ، فذكر معه ما يدفع الحث ويرفع المانع ، فقال: هو رزق الله والله يزرقكم فلا تخافوا الفقر وأعطوا ، وأما ههنا فمدح على ما فعلوه فلم يكن إلى الحرص حاجة .
المسألة الثانية: المشهور في الحق أنه هو القدر الذي علم شرعًا وهو الزكاة وحينئذ لا يبقى هذا صفة مدح ، لأن كون المسلم في ماله حق وهو الزكاة ليس صفة مدح لأن كل مسلم كذلك ، بل الكافر إذا قلنا إنه مخاطب بفروع الإسلام في ماله حق معلوم غير أنه إذا أسلم سقط عنه وإن مات عوقب على تركه ، وإن أدى من غير الإسلام لا يقع الموقع ، فكيف يفهم كونه مدحًا؟ نقول الجواب عنه من وجوه . أحدها: أنا نفسر بمن يطلب شرعًا ، والمحروم الذي لا مكنة له من الطلب ومنعه الشارع من المطالبة ، ثم إن المنع قد يكون لكون الطالب غير مستحق ، وقد يكون لكون المطلوب منه لم يبق عليه حق فلا يطالب فقال تعالى في ماله حق للطالب وهو الزكاة ولغير الطالب وهو الصدقة المتطوع بها فإن ذلك المالك لا يطالب بها ويحرم الطالب منه طلبًا على سبيل الجزية والزكاة ، بل يسأل سؤالًا اختياريًا فيكون حينئذ كأنه قال في ماله زكاة وصدقة والصدقة في المال لا تكون إلا بفرضه هو ذلك وتقديره وإفرازه للفقراء والمساكين ، الجواب الثاني: هو أن قوله: { وَفِى أموالهم حَقٌّ لَّلسَّائِلِ } أي مالهم ظرف لحقوقهم فإن كلمة في للظرفية لكن الظرف لا يطلب إلا للمظروف فكأنه تعالى قال هم لا يطلبون المال ولا يجمعونه إلا ويجعلونه ظرفًا للحق ، ولا شك أن المطلوب من الظرف هو المظروف والظرف مالهم فجعل مالهم ظرفًا للحقوق ولا يكون فوق هذا مدح فإن قيل فلو قيل مالهم للسائل هل كان أبلغ؟ قلنا: لا وذلك لأن من يكون له أربعون دينارًا فتصدق بها لا تكون صدقته دائمة لكن إذا اجتهد واتجر وعاش سنين وأدى الزكاة والصدقة يكون مقدار المؤدى أكثر وهذا كما في الصلاة والصوم ولو أضعف واحد نفسه بهما حتى عجز عنهما لا يكون مثل من اقتصد فيهما ، وإليه الإشارة بقوله A: « إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى »