فهرس الكتاب

الصفحة 6786 من 8321

وفي السائل والمحروم وجوه . أحدها: أن السائل هو الناطق وهو الآدمي والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوانات المحرومة قال النبي A: « لكل كبد حرى أجر » وثانيها: وهو الأظهر والأشهر ، أن السائل هو الذي يسأل ، والمحروم المتعفف الذي يحسبه بعض الناس غنيًا فلا يعطيه شيئًا . والأول: كقوله تعالى: { كُلُواْ وارعوا أنعامكم } [ طه: 54 ] . والثاني: كقوله: { وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر } [ الحج: 36 ] فالقانع كالمحروم فإن قيل على الوجه الأول الترتيب في غاية الحسن ، فإن دفع حاجة الناطق مقدم على دفع حاجة البهائم ، فما وجه الترتيب في الوجه الثاني؟ نقول فيه وجهان . أحدهما: أن السائل اندفاع حاجته قبل اندفاع حاجة المحروم في الوجود لأنه يعرف حاله بمقاله ويطلب لقلة ماله فيقدم بدفع حاجته ، والمحروم غير معلوم فلا تندفع حاجته إلا بعد الاطلاع عليه ، فكان الذكر على الترتيب الواقع . وثانيهما: هو أن ذلك إشارة إلى كثرة العطاء فيقول يعطي السائل فإذا لم يجدهم يسأل هو عن المحتاجين فيكون سائلًا ومسؤولًا . الثالث: هو أن المحاسن اللفظية غير مهجورة في الكلام الحكمي ، فإن قول القائل إن رجوعهم إلينا وعلينا حسابهم ليس كقوله تعالى: { إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ } [ الغاشية: 26 ] والكلام له جسم وهو اللفظ وله روح وهو المعنى ، وكما أن الإنسان الذي نور روحه بالمعرفة ينبغي أن ينور جسمه الظاهر بالنظافة ، كذلك الكلام ورب كلمة حكمية لا تؤثر في النفوس لركاكة لفظها ، إذا عرفت هذا فقوله: { وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِى أموالهم حَقٌّ لَّلسَّائِلِ والمحروم } أحسن من حيث اللفظ من قولنا وبالأسحار هم يستغفرون ، وفي أموالهم حق للمحروم والسائل ، فإن قيل قدم السائل على المحروم ههنا لما ذكرت من الوجوه ، ولم قدم المحروم على السائل في قوله: { القانع والمعتر } لأن القانع هو الذي لا يسأل { والمعتر } السائل؟ نقول قد قيل إن القانع هو السائل والمعتر الذي لا يسأل ، فلا فرق بين الموضعين ، وقيل بأن القانع والمعتر كلاهما لا يسأل لكن القانع لا يتعرض ولا يخرج من بيته والمعتر يتعرض للأخذ بالسلام والتردد ولا يسأل ، وقيل بأن القانع لا يسأل والمعتر يسأل ، فعلى هذا فلحم البدنة يفرق من غير مطالبة ساع أو مستحق مطالبة جزية ، والزكاة لها طالب وسائل هو الساعي والإمام ، فقوله: { لَّلسَّائِلِ } إشارة إلى الزكاة وقوله: { والمحروم } أي الممنوع إشارة إلى الصدقة المتطوع بها واحدهما قبل الأخرى بخلاف إعطاء اللحم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت