فهرس الكتاب

الصفحة 6227 من 8321

اعلم أن الآية المتقدمة دلت على أنه تعالى بين كونه منزهًا عن الولد بكونه إلهًا واحدًا وقهارًا غالبًا أي: كامل القدرة ، فلما بنى تلك المسألة على هذه الأصول ذكر عقيبها ما يدل على كمال القدرة وعلى كمال الاستغناء ، وأيضًا فإنه تعالى طعن في إلهية الأصنام فذكر عقيبها الصفات التي باعتبارها تحصل الإلهية ، واعلم أنا بينا في مواضع من هذا الكتاب أن الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات إلهيته ، إما أن تكون فلكية أو عنصرية ، أما الفلكية فأقسام أحدها: خلق السموات والأرض ، وهذا المعنى يدل على وجود الإله القادر من وجوه كثيرة شرحناها في تفسير قوله تعالى: { الحمد الله الذى خَلَقَ السموات والأرض } [ الأنعام: 1 ] والثاني: اختلاف أحوال الليل والنهار وهو المراد ههنا من قوله: { يُكَوّرُ اليل عَلَى النهار وَيُكَوّرُ النهار عَلَى اليل } وذلك لأن النور والظلمة عسكران مهيبان عظيمان ، وفي كل يوم يغلب هذا ذاك تارة ، وذلك هذا أخرى . وذلك يدل على أن كل واحد منهما مغلوب مقهور ، ولا بد من غالب قاهر لهما يكونان تحت تدبيره وقهره وهو الله سبحانه وتعالى ، والمراد من هذا التكوير أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص عن الآخر ، والمراد من تكوير الليل والنهار ما ورد في الحديث: « نعوذ الله من الحور بعد الكور » أي: من الإدبار بعد الإقبال ، واعلم أنه سبحانه وتعالى عبر عن هذا المعنى بقوله: { يُكَوّرُ اليل عَلَى النهار } وبقوله: { يغشى الليل النهار } [ الأعراف: 54 ] وبقوله: { يُولِجُ اليل فِى النهار } [ فاطر: 13 ] وبقوله: { وَهُوَ الذى جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ } [ الفرقان: 62 ] والثالث: اعتبار أحوال الكواكب لا سيما الشمس والقمر ، فإن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل ، وأكثر مصالح هذا العالم مربوطة بهما وقوله: { كل يجري لأجل مسمى } الأجل المسمى يوم القيامة ، لا يزالان يجريان إلى هذا اليوم فإذا كان يوم القيامة ذهبا ، ونظيره قوله تعالى: { وَجُمِعَ الشمس والقمر } [ القيامة: 9 ] والمراد من هذا التسخير أن هذه الأفلاك تدور كدوران المنجنون على حد واحد إلى يوم القيامة وعنده تطوي السماء كطي السجل للكتب .

ولما ذكر الله هذه الأنواع الثلاثة من الدلائل الفلكية قال: { أَلا هُوَ العزيز الغفار } والمعنى: أن خلق هذه الأجرام العظيمة وإن دل على كونه عزيزًا أي كامل القدرة إلا أنه غفار عظيم الرحمة والفضل والإحسان ، فإنه لما كان الإخبار عن كونه عظيم القدرة يوجب الخوف والرهبة فكونه غفارًا يوجب كثرة الرحمة ، وكثرة الرحمة توجب الرجاء والرغبة ، ثم إنه تعالى أتبع ذكر الدلائل الفلكية بذكر الدلائل المأخوذة من هذا العالم الأسفل ، فبدأ بذكر الإنسان فقال: { خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } ودلالة تكون الإنسان على الإله المختار قد سبق بيانها مرارًا كثيرة ، فإن قيل كيف جاز أن يقول: { خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } والزوج مخلوق قبل خلقهم؟ أجابوا عنه من وجوه الأول: أن كلمة ثم كما تجيء لبيان كون إحدى الواقعتين متأخرة عن الثانية ، فكذلك تجيء لبيان تأخر أحد الكلامين عن الآخر ، كقول القائل بلغني ما صنعت اليوم ، ثم ما صنعت أمس كان أعجب ، ويقول أيضًا قد أعطيتك اليوم شيئًا ، ثم الذي أعطيتك أمس أكثر الثاني: أن يكون التقدير خلقكم من نفس خلقت وحدها ثم جعل منها زوجها الثالث: أخرج الله تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر ثم خلق بعد ذلك حواء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت