فهرس الكتاب

الصفحة 8058 من 8321

وفي قوله { أعطى } وجهان: أحدهما: أن يكون المراد إنفاق المال في جميع وجوه الخير من عتق الرقاب وفك الأسارى وتقوية المسلمين على عدوهم كما كان يفعله أبو بكر سواء كان ذلك واجبًا أو نفلًا ، وإطلاق هذا كالإطلاق في قوله: { وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } [ الأنفال: 3 ] فإن المراد منه كل ذلك إنفاقًا في سبيل الله سواء كان واجبًا أو نفلًا ، وقد مدح الله قومًا فقال: { وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا } [ الإنسان: 8 ] وقال في آخر هذه السورة: { وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى * الذى يُؤْتِى مَالَهُ يتزكى * وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تجزى * إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ الأعلى } [ الليل: 17-20 ] ، وثانيهما: أن قوله: { أعطى } يتناول إعطاء حقوق المال وإعطاء حقوق النفس في طاعة الله تعالى ، يقال: فلان أعطى الطاعة وأعطى السعة وقوله: { واتقى } فهو إشارة إلى الاحتراز عن كل مالا ينبغي ، وقد ذكرنا أنه هل من شرط كونه متقيًا أن يكون محترزًا عن الصغائر أم لا في تفسير قوله تعالى: { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 2 ] وقوله: { وَصَدَّقَ بالحسنى } فالحسنى فيها وجوه أحدها: أنها قول لا إله إلا الله ، والمعنى: فأما من أعطى واتقى وصدق بالتوحيد والنبوة حصلت له الحسنى ، وذلك لأنه لا ينفع مع الكفر إعطاء مال ولا اتقاء محارم ، وهو كقوله: { أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ } [ البلد: 14 ] إلى قوله: { ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ } [ البلد: 17 ] وثانيها: أن الحسنى عبارة عما فرضه الله تعالى من العبادات على الأبدان وفي الأموال كأنه قيل: أعطى في سبيل الله واتقى المحارم وصدق بالشرائع ، فعلم أنه تعالى لم يشرعها إلا لما فيها من وجوه الصلاح والحسن وثالثها: أن الحسنى هو الخلف الذي وعده الله في قوله: { وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ } [ سبأ: 39 ] والمعنى: أعطى من ماله في طاعة الله مصدقًا بما وعده الله من الخلف الحسن ، وذلك أنه قال: { مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله } [ البقرة: 261 ] فكان الخلف لما كان زائدًا صح إطلاق لفظ الحسنى عليه ، وعلى هذا المعنى: { وَكَذَّبَ بالحسنى } أي لم يصدق بالخلف ، فبخل بماله لسوء ظنه بالمعبود ، كما قال بعضهم: منع الموجود ، سوء ظن بالمعبود ، وروي عن أبي الدرداء أنه قال: « ما من يوم غربت فيه الشمس إلا وملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين . اللهم أعط كل منفق خلفًا وكل ممسك تلفًا » ورابعها: أن الحسنى هو الثواب ، وقيل: إنه الجنة ، والمعنى واحد ، قال قتادة: صدق بموعود الله فعمل لذلك الموعود ، قال القفال: وبالجملة أن الحسنى لفظة تسع كل خصلة حسنة ، قال الله تعالى: { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين } [ التوبة: 52 ] يعني النصر أو الشهادة ، وقال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت