وجه تعلق هذه السورة بما قبلها ، هو أن تلك السورة مشتملة على ذكر بعثة الرسول A ، وذكر من كان يكذبه قلبًا ولسانًا بضرب المثل كما قال: { مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة } [ الجمعة: 5 ] وهذه السورة على ذكر من كان يكذبه قلبًا دون اللسان ويصدقه لسانًا دون القلب ، وأما الأول بالآخر ، فذلك أن في آخر تلك السورة تنبيهًا لأهل الإيمان على تعظيم الرسول A ورعاية حقه بعد النداء لصلاة الجمعة وتقديم متابعته في الأداء على غيره وأن ترك التعظيم والمتابعة من شيم المنافقين ، والمنافقون هم الكاذبون ، كما قال في أول هذه السورة: { إِذَا جَاءَكَ المنافقون } يعني عبد الله بن أبي وأصحابه { قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله } وتم الخبر عنهم ثم ابتدأ فقال: { والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ } أي أنه أرسلك فهو يعلم أنك لرسوله { والله يَشْهَدُ } أنهم أضمروا غير ما أظهروا ، وإنه يدل على أن حقيقة الإيمان بالقلب ، وحقيقة كل كلام كذلك ، فإن من أخبر عن شيء واعتقد بخلافه فهو كاذب ، لما أن الكذب باعتبار المخالفة بين الوجود اللفظي والوجود الذهني ، كما أن الجهل باعتبار المخالفة بين الوجود الذهني ، والوجود الخارجي ، ألا ترى أنهم كانوا يقولون بألسنتهم: نشهد إنك لرسول الله ، وسماهم الله كاذبين لما أن قولهم: يخالف اعتقادهم ، وقال: قوم لم يكذبهم الله تعالى في قولهم: { نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله } إنما كذبهم بغير هذا من الأكاذيب الصادرة عنهم في قوله تعالى: { يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ } [ التوبة: 74 ] الآية . و { يَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ } [ التوبة: 56 ] وجواب إذا { قَالُواْ نَشْهَدُ } أي أنهم إذا أتوك شهدوا لك بالرسالة ، فهم كاذبون في تلك الشهادة ، لما مر أن قولهم يخالف اعتقادهم ، وفي الآية مباحث:
البحث الأول: أنهم قالوا: نشهد إنك لرسول الله ، فلو قالوا: نعلم إنك لرسول الله ، أفاد مثل ما أفاد هذا ، أم لا؟ نقول: ما أفاد ، لأن قولهم: نشهد إنك لرسول الله ، صريح في الشهادة على إثبات الرسالة ، وقولهم: نعلم ليس بصريح في إثبات العلم ، لما أن علمهم في الغيب عند غيرهم .