فهرس الكتاب

الصفحة 861 من 8321

اعلم أن هذا النوع الخامس من الأمور التي حكاها الله عن إبراهيم عليه السلام ، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: موضع ( إذ ) نصب وفي عامله وجهان . الوجه الأول: أنه نصب باصطفيناه ، أي اصطفيناه في الوقت الذي قال له ربه أسلم ، فكأنه تعالى ذكر الاصطفاء ثم عقبه بذكر سبب الاصطفاء ، فكأنه لما أسلم نفسه لعبادة الله تعالى وخضع لها وانقاد علم تعالى من حاله أنه لا يتغير على الأوقات وأنه مستمر على هذه الطريقة ، وهو مع ذلك مطهر من كل الذنوب ، فعند ذلك اختاره للرسالة واختصه بها لأنه تعالى لا يختار للرسالة إلا من هذا حاله في البدء والعاقبة ، فإسلامه لله تعالى وحسن إجابته منطوق به ، فإن قيل قوله: { وَلَقَدِ اصطفيناه } إخبار عن النفس وقوله: { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ } إخبار عن المغايبة فكيف يعقل أن يكون هذا النظم واحدًا؟ قلنا: هذا من باب الالتفات الذي ذكرناه مرارًا . الثاني: أنه نصب باضمار أذكر كأنه قيل: اذكر ذلك الوقت ليعلم أنه المصطفي الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله .

المسألة الثانية: اختلفوا في أن الله تعالى متى قال له أسلم؟ ومنشأ الإشكال أنه إنما يقال له: أسلم في زمان لا يكون مسلمًا فيه ، فهل كان إبراهيم عليه السلام غير مسلم في بعض الأزمنة ليقال له في ذلك الزمان أسلم؟ فالأكثرون على أن الله تعالى إنما قال ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ ، وذلك عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس ، واطلاعه على أمارات الحدوث فيها ، وإحاطته بافتقارها إلى مدبر يخالفها في الجسمية وأمارات الحدوث ، فلما عرف ربه قال له تعالى: { أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين } لأنه لا يجوز أن يقول له ذلك قبل أن عرف ربه ويحتمل أيضًا أن يكون قوله: { أَسْلَمَ } كان قبل الاستدلال ، فيكون المراد من هذا القول لا نفس القول بل دلالة الدليل عليه على حسب مذاهب العرب في هذا كقول الشاعر:

امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلًا رويدًا قد ملأت بطني

وأصدق دلالة منه قوله تعالى: { أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلطانا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ } [ الروم: 35 ] فجعل دلالة البرهان كلامًا ، ومن الناس من قال: هذا الأمر كان بعد النبوة ، وقوله: { أَسْلَمَ } ليس المراد منه الإسلام والإيمان بل أمور أخر . أحدها: الانقياد لأوامر الله تعالى ، والمسارعة إلى تلقيها بالقبول ، وترك الإعراض بالقلب واللسان ، وهو المراد من قوله: { رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } [ البقرة: 128 ] . وثانيها: قال الأصم: ( أسلم ) أي أخلص عبادتك واجعلها سليمة من الشرك وملاحظة الأغيار . وثالثها: استقم على الإسلام واثبت على التوحيد كقوله تعالى: { فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلا الله } [ محمد: 19 ] . ورابعها: أن الإيمان صفة القلب والإسلام صفة الجوارح ، وأن إبراهيم عليه السلام كان عارفًا بالله تعالى بقلبه وكلفه الله تعالى بعد ذلك بعمل الجوارح والأعضاء بقوله: ( أسلم ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت