وسؤال آخر وهو أن محمدًا A لما اعترف بأن شرع إبراهيم منسوخ ، ولفظ الملة يتناول الأصول والفروع ، فيلزم أن يكون محمد E راغبًا أيضًا عن ملة إبراهيم فيلزم ما ألزم عليهم .
وجوابه: أنه تعالى لما حكي عن إبراهيم عليه السلام أنه تضرع إلى الله تعالى وطلب منه بعثه هذا الرسول ونصرته وتأييده ونشر شريعته ، عبر عن هذا المعنى بأنه ملة إبراهيم فلما سلم اليهود والنصارى والعرب كون إبراهيم عليه السلام محقًا في مقاله ، وجب عليهم الاعتراف بنبوة هذا الشخص الذي هو مطلوب إبراهيم عليه السلام .
قال السائل: إن القول ما سلموا أن إبراهيم طلب مثل هذا الرسول من الله تعالى ، وإنما محمد E روى هذا الخبر عن إبراهيم عليه السلام ليبني على هذه الرواية إلزام أنه يجب عليهم الاعتراف بنبوة محمد عليه السلام ، فإذن لا تثبت نبوته ما لم تثبت هذه الرواية ، ولا تثبت هذه الرواية ما لم تثبت نبوته ، فيفضي إلى الدور وهو ساقط ، سلمنا أن القوم سلموا صحة هذه الرواية لكن ليس في هذه الرواية إلا أن إبراهيم طلب من الله تعالى أن يبعث رسولًا من ذريته وذرية إسماعيل ، فكيف القطع بأن ذلك الرسول هو هذا الشخص؟ فلعله شخص آخر سيجيء بعد ذلك ، وإذا جاز أن تتأخر إجابة هذا الدعاء بمقدار ألفي سنة ، وهو الزمان الذي بين إبراهيم وبين محمد عليهما السلام ، فلم لا يجوز أن تتأخر بمقدار ثلاثة آلاف سنة حتى يكون المطلوب بهذا الدعاء شخصًا آخر سوى هذا الشخص المعين؟
والجواب عن السؤال الأول: لعل التوراة والإنجيل شاهدان بصحة هذه الرواية ، ولولا ذلك لكان اليهود والنصارى من أشد الناس مسارعة إلى تكذيبه في هذه الدعوى . وعن الثاني: أن المعتمد في إثبات نبوته عليه السلام: ظهور المعجز على يده ، وهو القرآن وإخباره عن الغيوب التي لا يعلمها إلا نبي مثل هذه الحكايات ، ثم إن هذه الحجة تجري مجرى المؤكد للمقصود والمطلوب والله تعالى أعلم .
المسألة الثالثة: في انتصاب ( نفسه ) قولان . الأول: لأنه مفعول ، قال المبرد: سفه لازم ، وسفه متعد ، وعلى هذا القول وجوه . الأول: امتهنها واستخف بها ، وأصل السفه الخفة ، ومنه زمام سفيه ، والدليل عليه ما جاء في الحديث: « الكبر أن تسفه الحق وتغمص الناس » وذلك أنه إذا رغب عما لا يرغب عنه عاقل قط فقد بالغ في إزالة نفسه وتعجيزها ، حيث خالف بها كل نفس عاقلة . والثاني: قال الحسن: إلا من جهل نفسه وخسر نفسه ، وحقيقته أنه لا يرغب عن ملة إبراهيم إلا من جهل فلم يفكر فيها ، فيستدل بما يجده فيها من آثار الصنعة على وحدانية الله تعالى وعلى حكمته ، فيستدل بذلك على صحة نبوة محمد A . والثالث: أهلك نفسه وأوبقها عن أبي عبيدة . والرابع: أضل نفسه . القول الثاني: أن نفسه ليست مفعولًا وذكروا على هذا القول وجوهًا . الأول: أن نفسه نصب بنزع الخافض تقديره سفه في نفسه . والثاني: أنه نصب على التفسير عن الفراء ومعناه سفه نفسًا ثم أضاف وتقديره إلا السفيه ، وذكر النفس تأكيد كما يقال: هذا الأمر نفسه والمقصود منه المبالغة في سفهه . الثالث: قرىء: { إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } بتشديد الفاء ثم إنه تعالى لما حكم بسفاهة من رغب عن ملة إبراهيم عليه السلام بين السبب فقال: { وَلَقَدْ اصطفيناه فِى الدنيا } والمراد به أنا إذا اخترناه للرسالة من دون سائر الخليقة ، وعرفناه الملة التي هي جامعة للتوحيد والعدل والشرائع والإمامة الباقية إلى قيام الساعة ثم أضيف إليه حكم الله تعالى فشرفه الله بهذا اللقب الذي فيه نهاية الجلالة لمن نالها من ملك من ملوك البشر فكيف من نالها من ملك الملوك والشرائع فليحقق كل ذي لب وعقل أن الراغب عن ملته فهو سفيه ، ثم بين أنه في الآخرة عظيم المنزلة ليرغب في مثل طريقته لينال مثل تلك المنزلة ، وقيل في الآية تقديم وتأخير وتقديره: ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين ، وإذا صح الكلام من غير تقديم وتأخير كان أولى ، قال الحسن: من الذين يستوجبون الكرامة وحسن الثواب على كرم الله تعالى .