فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 8321

اعلم أن المفسرين أجمعوا على أن ذلك في وصف المنافقين قالوا: وصف الله الأصناف الثلاثة من المؤمنين والكافرين والمنافقين فبدأ بالمؤمنين المخلصين الذين صحت سرائرهم وسلمت ضمائرهم ، ثم أتبعهم بالكافرين الذين من صفتهم الإقامة على الجحود والعناد ، ثم وصف حال من يقول بلسانه إنه مؤمن وضميره يخالف ذلك ، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: أعلم أن الكلام في حقيقة النفاق لا يتخلص إلا بتقسيم نذكره فنقول: أحوال القلب أربعة ، وهي الاعتقاد المطابق المستفاد عن الدليل وهو العلم؛ والاعتقاد المطابق المستفاد لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد ، والاعتقاد الغير المطابق وهو الجهل ، وخلو القلب عن كل ذلك . فهذه أقسام أربعة ، وأما أحوال اللسان فثلاثة: الإقرار؛ والإنكار ، والسكوت . فيحصل من تركيباتها اثنا عشر قسمًا . النوع الأول: ما إذا حصل العرفان القلبي فههنا إما أن ينضم إليه الإقرار باللسان أو الإنكار باللسان أو السكوت . القسم الأول: ما إذا حصل العرفان بالقلب والإقرار باللسان فهذا الإقرار إن كان اختياريًا فصاحبه مؤمن حقًا بالإتفاق ، وإن كان اضطراريًا وهو ما إذا عرف بقلبه ولكنه يجد من نفسه أنه لولا الخوف لما أقر ، بل أنكر ، فهذا يجب أن يعد منافقًا؛ لأنه بقلبه منكر مكذب ، فإذا كان باللسان مقرًا مصدقًا وجب أن يعد منافقًا لأنه بقلبه منكر مكذب بوجوب الإقرار . القسم الثاني: أن يحصل العرفان القلبي والإنكار اللساني فهذا الإنكار إن كان اضطراريًا كان صاحبه مسلمًا ، لقوله تعالى: { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان } [ النحل: 106 ] وإن كان اختياريًا كان كافرًا معاندًا . القسم الثالث: أن يحصل العرفان القلبي ويكون اللسان خاليًا عن الإقرار والإنكار ، فهذا السكوت إما أن يكون اضطراريًا أو اختياريًا ، فإن كان اضطراريًا فذلك إذا خاف ذكره باللسان فهذا مسلم حقًا أو كما إذا عرف الله بدليله ثم لما تمم النظر مات فجأة ، فهذا مؤمن قطعًا ، لأنه أتى بكل ما كلف به ولم يجد زمان الإقرار والإنكار فكان معذورًا فيه ، وأما إن كان اختياريًا فهو كمن عرف الله بدليله ثم إنه لم يأت بالإقرار ، فهذا محل البحث ، وميل الغزالي C إلى أنه يكون مؤمنًا لقوله عليه السلام: « يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان » وهذا الرجل قلبه مملوء من نور الإيمان فكيف لا يخرج من النار . النوع الثاني: أن يحصل في القلب الاعتقاد التقليدي ، فإما أن يوجد معه الإقرار ، أو الإنكار أو السكوت . القسم الأول: أن يوجد معه الإقرار ، ثم ذلك الإقرار إن كان اختياريًا فهذا هو المسألة المشهورة من أن المقلد هل هو مؤمن أم لا؟ وإن كان اضطراريًا فهذا يفرع على الصورة الأولى ، فإن حكمنا في الصورة الأولى بالكفر ، فها هنا لا كلام ، وإن حكمنا هناك بالإيمان وجب أن يحكم ها هنا بالنفاق ، لأن في هذه الصورة لو كان القلب عارفًا لكان هذا الشخص منافقًا ، فبأن يكون منافقًا عند التقليد كان أولى . القسم الثاني: الاعتقاد التقليدي مع الإنكار اللساني ، ثم هذا الإنكار إن كان اختياريًا فلا شك في الكفر ، وإن كان اضطراريًا وحكمنا بإيمان المقلد وجب أن نحكم بالإيمان في هذه الصورة . القسم الثالث: الاعتقاد التقليدي مع السكوت اضطراريًا كان أو اختياريًا ، وحكمه حكم القسم الثالث من النوع الأول إذا حكمنا بإيمان المقلد . النوع الثالث: الإنكار القلبي فإما أن يوجد معه الإقرار اللساني ، أو الإنكار اللساني ، أو السكوت . القسم الأول: أن يوجد معه الإقرار اللساني ، فذلك الإقرار إن كان اضطراريًا فهو المنافق وإن كان اختياريًا فهو مثل أن يعتقد بناءً على شبهة أن العالم قديم ثم بالاختيار أقر باللسان أن العالم محدث ، وهذا غير مستبعد ، لأنه إذا جاز أن يعرف بالقلب ثم ينكر باللسان وهو كفر الجحود والعناد ، فلم لا يجوز أن يجهل بالقلب ثم يقر باللسان؟ فهذا القسم أيضًا من النفاق . القسم الثاني: أن يوجد الإنكار القلبي ويوجد الإنكار اللساني فهذا كافر وليس بمنافق ، لأنه ما أظهر شيئًا بخلاف باطنه . القسم الثالث: أن يوجد الإنكار القلبي مع السكوت اللساني فهذا كافر وليس بمنافق لأنه ما أظهر شيئًا . النوع الرابع: القلب الخالي عن جميع الاعتقادات فهذا إما أن يوجد معه الإقرار أو الإنكار أو السكوت . القسم الأول: إذا وجد الإقرار فهذا الإقرار إما أن يكون اختياريًا أو اضطراريًا ، فإن كان اختياريًا ، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر ، لكنه فعل ما لا يجوز حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق فيه أم لا؟ وإن كان لا في مهلة النظر ففيه نظر ، أما إذا كان اضطراريًا لم يكفر صاحبه ، لأن توقفه إذا كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحًا . القسم الثاني: القلب الخالي مع الإنكار باللسان وحكمه على العكس من حكم القسم العاشر القسم الثالث: القلب الخالي مع اللسان الخالي ، فهذا إن كان في مهلة النظر فذاك هو الواجب ، وإن كان خارجًا عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا يحكم عليه بالنفاق البتة ، فهذه هي الأقسام الممكنة في هذا الباب ، وقد ظهر منه أن النفاق ما هو ، وأنه الذي لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ما في ظاهره أو كان باطنه خاليًا عما يشعر به ظاهره ، وإذ عرفت هذا ظهر أن قوله: { وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله وباليوم الآخر } المراد منه المنافقون والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت