فهرس الكتاب

الصفحة 7362 من 8321

وجه التعلق بما قبلها ظاهر لما أن تلك السورة للمنافقين الكاذبين وهذه السورة للمنافقين الصادقين ، وأيضًا تلك السورة مشتملة على بطالة أهل النفاق سرًا وعلانية ، وهذه السورة على ما هو التهديد البالغ لهم ، وهو قوله تعالى: { يَعْلَمُ مَا فِي السموات والأرض وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ والله عَلِيمُ بِذَاتِ الصدور } وأما الأول بالآخر فلأن في آخر تلك السورة التنبيه على الذكر والشكر كما مر ، وفي أول هذه إشارة إلى أنهم إن أعرضوا عن الذكر والشكر ، قلنا: من الخلق قوم يواظبون على الذكر والشكر دائمًا ، وهم الذين يسبحون ، كما قال تعالى: { يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } ، وقوله تعالى: { لَهُ الملك وَلَهُ الحمد } معناه إذا سبح لله ما في السموات وما في الأرض فله الملك وله الحمد ، ولما كان له الملك فهو متصرف في ملكه والتصرف مفتقر إلى القدرة فقال: { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } وقال في «الكشاف» : قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله تعالى وذلك لأن الملك في الحقيقة له لأنه مبدىء لكل شيء ومبدعه والقائم به والمهيمن عليه ، كذلك الحمد فإن أصول النعم وفروعها منه ، وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء ، وحمده اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده ، وقوله تعالى: { وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } قيل: معناه وهو على كل شيء أراده قدير ، وقيل: قدير يفعل ما يشاء بقدر ما يشاء لا يزيد عليه ولا ينقص . وقد مر ذلك ، وفي الآية مباحث:

الأول: أنه تعالى قال في الحديد: { سَبَّحَ } [ الحديد: 1 ] والحشر والصف كذلك ، وفي الجمعة والتغابن { يُسَبّحُ لِلَّهِ } فما الحكمة فيه؟ نقول: الجواب عنه قد تقدم .

البحث الثاني: قال في موضع: { سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } [ الحشر: 1 ] وفي موضع آخر { سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السموات والأرض } [ الحديد: 1 ] فما الحكمة فيه؟ قلنا: الحكمة لا بد منها ، ولا نعلمها كما هي ، لكن نقول: ما يخطر بالبال ، وهو أن مجموع السموات والأرض شيء واحد ، وهو عالم مؤلف من الأجسام الفلكية والعنصرية ، ثم الأرض من هذا المجموع شيء والباقي منه شيء آخر ، فقوله تعالى: { يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } بالنسبة إلى هذا الجزء من المجموع وبالنسبة إلى ذلك الجزء منه كذلك ، وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال ، قال تعالى في بعض السور كذا وفي البعض هذا ليعلم أن هذا العالم الجسماني من وجه شيء واحد ، ومن وجه شيئان بل أشياء كثيرة ، والخلق في المجموع غير ما في هذا الجزء ، وغير ما في ذلك أيضًا ولا يلزم من وجود الشيء في المجموع أن يوجد في كل جزء من أجزائه إلا بدليل منفصل ، فقوله تعالى: { سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } على سبيل المبالغة من جملة ذلك الدليل لما أنه يدل على تسبيح ما في السموات وعلى تسبيح ما في الأرض ، كذلك بخلاف قوله تعالى: { سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السموات والأرض } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت