ثم إنه تعالى زاد في تخويف الكفار فقال: { إِنَّا أنذرناكم عَذَابًا قَرِيبًا } يعني العذاب في الآخرة ، وكل ما هو آت قريب ، و ( هو ) كقوله تعالى: { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضحاها } [ النازعات: 46 ] وإنما سماه إنذارًا ، لأنه تعالى بهذا الوصف قد خوف منه نهاية التخويف وهو معنى الإنذار .
ثم قال تعالى: { يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: ما في قوله: { مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } فيه وجهان الأول: أنها استفهامية منصوبة بقدمت ، أي ينظر أي شيء قدمت يداه الثاني: أن تكون بمعنى الذي وتكون منصوبة ينتظر ، والتقدير: ينظر إلى الذي قدمت يداه ، إلا أن على هذا التقدير حصل فيه حذفان أحدهما: أنه لم يقل: قدمته ، بل قال: { قَدَّمْتُ } فحذف الضمير الراجع الثاني: أنه لم يقل: ينظر إلى ما قدمت ، بل قال: ينظر ما قدمت ، يقام نظرته بمعنى نظرت إليه .
المسألة الثانية: في الآية ثلاثة أقوال: الأول: وهو الأظهر أن المرء عام في كل أحد ، لأن المكلف إن كان قدم عمل المتقين ، فليس له إلا الثواب العظيم ، وإن كان قدم عمل الكافرين ، فليس له إلا العقاب الذي وصفه الله تعالى ، فلا رجاء لمن ورد القيامة من المكلفين في أمر سوى هذين ، فهذا هو المراد بقوله: { يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } فطوبى له إن قدم عمل الأبرار ، وويل له إن قدم عمل الفجار والقول الثاني: وهو قول عطاء: أن المر ههنا هو الكافر ، لأن المؤمن كما ينظر إلى ما قدمت يداه ، فكذلك ينظر إلى عفو الله ورحمته وأما الكافر الذي لا يرى إلا العذاب ، فهو لا يرى إلا ما قدمت يداه ، لأن ما وصل إليه من العقاب ليس إلا من شؤم معاملته والقول الثالث: وهو قول الحسن ، وقتادة أن المرء ههنا هو المؤمن ، واحتجوا عليه بوجهين الأول: أنه تعالى قال بعد هذه الآية ، { وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ ترابا } فلما كان هذا بيانًا لحال الكافر ، وجب أن يكون الأول بيانًا لحال المؤمن والثاني: وهو أن المؤمن لما قدم الخير والشر فهو من الله تعالى على خوف ورجاء ، فينتظر كيف يحدث الحال ، أما الكافر فإنه قاطع بالعقاب ، فلا يكون له انتظار أنه كيف يحدث الأمر ، فإن مع القطع لا يحصل الانتظار .
المسألة الثالثة: القائلون: بأن الخير يوجب الثواب والشر يوجب العقاب تمسكوا بهذه الآية ، فقالوا: لولا أن الأمر كذلك ، وإلا لم يكن نظر الرجل في الثواب والعقاب على عمله بل على شيء آخر والجواب عنه: أن العمل يوجب الثواب والعقاب ، لكن بحكم الوعد والجعل لا بحكم الذات .