أما قوله تعالى: { وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ ترابا } ففيه وجوه: أحدها: أن يوم القيامة ينظر المرء أي شيء قدمت يداه ، أما المؤمن فإنه يجد الإيمان والعفو عن سائر المعاصي على ما قال: { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } وأما الكافر فلا يتوقع العفو على ما قال: { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } [ النساء: 48 ] فعند ذلك يقول الكافر: { ياليتني كُنتُ ترابا } أي لم يكن حيًا مكلفًا وثانيها: أنه كان قبل البعث ترابًا ، فالمعنى على هذا . يا ليتني لم أبعث للحساب ، وبقيت كما كنت ترابًا ، كقوله تعالى: { ياليتها كَانَتِ القاضية } [ الحاقة: 27 ] وقوله: { يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض } [ النساء: 42 ] وثالثها: أن البهائم تحشر فيقتص للجماء من القرناء ثم يقال لها بعد المحاسبة: كوني ترابًا فيتمنى الكافر عند ذلك أن يكون هو مثل تلك البهائم في أن يصير ترابًا ، ويتخلص من عذاب الله وأنكر بعض المعتزلة ذلك . وقال: إنه تعالى إذا أعادها فهي بين معوض وبين متفضل عليه ، وإذا كان كذلك لم يجز أن يقطعها عن المنافع ، لأن ذلك كالإضرار بها ، ولا يجوز ذلك في الآخرة ، ثم إن هؤلاء قالوا: إن هذه الحيوانات إذا انتهت مدة أعواضها جعل الله كل ما كان منها حسن الصورة ثوابًا لأهل الجنة ، وما كان قبيح الصورة عقابًا لأهل النار ، قال القاضي: ولا يمتنع أيضًا إذا وفر الله أعواضها وهي غير كاملة العقل أن يزيل الله حياتها على وجه لا يحصل لها شعور بالألم فلا يكون ذلك ضررًا ورابعها: ما ذكره بعض الصوفية فقال قوله: { ياليتني كُنتُ ترابا } معناه يا ليتني كنت متواضعًا في طاعة الله ولم أكن متكبرًا متمردًا وخامسها: الكافر إبليس يرى آدم وولده وثوابهم ، فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره حين قال: { خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } [ ص: 76 ] والله أعلم بمراده وأسرار كتابه .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة .