فهرس الكتاب

الصفحة 6153 من 8321

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر أقاصيص الأنبياء عليهم السلام عاد إلى شرح مذاهب المشركين وبيان قبحها وسخافتها ، ومن جملة أقوالهم الباطلة أنهم أثبتوا الأولاد لله سبحانه وتعالى ، ثم زعموا أنها من جنس الإناث لا من جنس الذكور فقال: { فاستفتهم أَلِرَبّكَ البنات وَلَهُمُ البنون } وهذا معطوف على قوله في أول السورة: { فاستفتهم أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا مِن خَلَقْنَا } [ الصافات: 11 ] وذلك لأنه تعالى أمر رسوله A باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولًا ثم ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض إلى أن أمره بأن يستفتيهم في أنهم لم أثبتوا لله سبحانه البنات ولأنفسهم البنين ، ونقل الواحدي عن المفسرين أنهم قالوا: إن قريشًا وأجناس العرب جهينة وبني سلمة وخزاعة وبني مليح قالوا: الملائكة بنات الله ، واعلم أن هذا الكلام يشتمل على أمرين أحدهما: إثبات البنات لله وذلك باطل لأن العرب كانوا يستنكفون من البنت ، والشيء الذي يستنكف المخلوق منه كيف يمكن إثباته للخالق والثاني: إثبات أن الملائكة إناث ، وهذا أيضًا باطل لأن طريق العلم إما الحس وإما الخبر وإما النظر ، أما الحس: فمفقود ههنا لأنهم ما شهدوا كيفية تخليق الله الملائة وهو المراد من قوله: { أَمْ خَلَقْنَا الملائكة إناثا وَهُمْ شاهدون } وأما الخبر: فمنقود أيضًا لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم كونه صدقًا قطعًا وهؤلاء الذين يخبرون عن هذا الحكم كذابون أفاكون ، لم يدل على صدقهم لا دلالة ولا أمارة ، وهو المراد من قوله: { أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ الله وَإِنَّهُمْ لكاذبون } وأما النظر: فمفقود وبيانه من وجهين الأول: أن دليل العقل من إسناد الأخس إلى الأفضل ، فإن كان حكم العقل معتبرًا في هذا الباب كان قولكم باطلًا والوجه الثاني: أن نترك الاستدلال على فساد مذهبهم ، بل نطالبهم بإثبات الدليل الدال على صحة مذهبهم فإذا لم يجدوا ذلك الدليل فضده يظهر أنه لم يوجد ما يدل على صحة قولهم وهذا هو المراد من قوله: { أَمْ لَكُمْ سلطان مُّبِينٌ * فَأْتُواْ بكتابكم إِن كُنتُمْ صادقين } فثبت بما ذكرنا أن القول الذي ذهبوا إليه لم يدل على صحته ، لا الحس ولا الخبر ولا النظر ، فكان المصير إليه باطلًا قطعًا ، واعلم أنه تعالى لما طالبهم بما يدل على صحة مذهبهم دل ذلك على أن التقليد باطل ، وأن الدين لا يصح إلا بالدليل .

المسألة الثانية: قوله: { أَصْطَفَى البنات على البنين } قراءة العامة بفتح الهمزة وقطعها من { اصطفى } ثم بحذف ألف الوصل وهو استفهام توبيخ وتقريع ، كقوله تعالى: { أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ } [ الزخرف: 16 ] وقوله تعالى: { أَمْ لَهُ البنات وَلَكُمُ البنون }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت