فهرس الكتاب

الصفحة 3796 من 8321

اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن قولهم { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } [ يونس: 48 ] وفيه مسائل:

المسألة الأولى: حاصل الجواب أن يقال لأولئك الكفار الذين يطلبون نزول العذاب بتقدير أن يحصل هذا المطلوب وينزل هذا العذاب ما الفائدة لكم فيه؟ فإن قلتم نؤمن عنده ، فذلك باطل ، لأن الإيمان في ذلك الوقت إيمان حاصل في وقت الإلجاء والقسر ، وذلك لا يفيد نفعًا ألبتة ، فثبت أن هذا الذي تطلبونه لو حصل لم يحصل منه إلا العذاب في الدنيا ، ثم يحصل عقيبه يوم القيامة عذاب آخر أشد منه ، وهو أنه يقال: للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد ، ثم يقرن بذلك العذاب كلام يدل على الإهانة والتحقير وهو أنه تعالى يقول: { هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } فحاصل هذا الجواب: أن هذا الذي تطلبونه هو محض الضرر العاري عن جهات النفع والعاقل لا يفعل ذلك .

المسألة الثانية: قوله: { بَيَاتًا } أي ليلًا يقال بت ليلتي أفعل كذا ، والسبب فيه أن الإنسان في الليل يكون ظاهرًا في البيت ، فجعل هذا اللفظ كناية عن الليل والبيات مصدر مثل التبييت كالوداع والسراح ، ويقال في النهار ظللت أفعل كذا ، لأن الإنسان في النهار يكون ظاهرًا في الظل . وانتصب { بياتًا } على الظرف أي وقت بيات وكلمة { مَاذَا } فيها وجهان: أحدهما: أن يكون ماذا اسمًا واحدًا ويكون منصوب المحل كما لو قال ماذا أراد الله ، ويجوز أن يكون { ذا } بمعنى الذي ، فيكون { ماذا } كلمتين ومحل { ما } الرفع على الابتداء وخبره { ذا } وهو بمعنى الذي ، فيكون معناه ما الذي يستعجل منه المجرمون ومعناه ، أي شيء الذي يستعجل من العذاب المجرمون .

واعلم أن قوله: { إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا } شرط .

وجوابه: قوله { ماذا يستعجل منه المجرمون } ، وهو كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني ، يعني: إن حصل هذا المطلوب ، فأي مقصود تستعجلونه منه .

وأما قوله: { أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءامَنْتُمْ بِهِ } فاعلم أن دخول حرف الاستفهام على ثم كدخوله على الواو والفاء في قوله: { أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى } [ الأعراف: 98 ] { أَفَأَمِنَ } [ الأعراف: 97 ] وهو يفيد التقريع والتوبيخ ، ثم أخبر تعالى أن ذلك الإيمان غير واقع لهم بل يعيرون ويوبخون ، يقال: آلآن تؤمنون وترجون الانتفاع بالإيمان مع أنكم كنتم قبل ذلك به تستعجلون على سبيل السخرية والاستهزاء ، وقرىء { آلان } بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام .

وأما قوله: { ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الخلد } فهو عطف عى الفعل المضمر قبل { آلان } والتقدير: قيل: آلان وقد كنتم به تستعجلون ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد .

وأما قوله تعالى: { هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } ففيه ثلاث مسائل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت