اعلم أنه تعالى لما عظم أمر الإسلام والإيمان بقوله { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الأخرة مِنَ الخاسرين } [ آل عمران: 85 ] أكد ذلك التعظيم بأن بيّن وعيد من ترك الإسلام ، فقال: { كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم } وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: في سبب النزول أقوال الأول: قال ابن عباس Bهما: نزلت هذه الآية في عشرة رهط كانوا آمنوا ثم ارتدوا ولحقوا بمكة ثم أخذوا يتربصون به ريب المنون فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية ، وكان فيهم من تاب فاستثنى التائب منهم بقوله { إِلاَّ الذين تَابُواْ } الثاني: نقل أيضًا عن ابن عباس أنه قال: نزلت في يهود قريظة والنضير ومن دان بدينهم كفروا بالنبي A بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه ، وكانوا يشهدون له بالنبوّة ، فلما بعث وجاءهم بالبينات والمعجزات كفروا بغيًا وحسدًا والثالث: نزلت في الحرث بن سويد وهو رجل من الأنصار حين ندم على ردته فأرسل إلى قومه أن اسألوا لي هل لي من توبة؟ فأرسل إليه أخوه بالآية ، فأقبل إلى المدينة وتاب على يد الرسول A وقبل الرسول A توبته ، قال القفال C: للناس في هذه الآية قولان: منهم من قال إن قوله تعالى: { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا } [ آل عمران: 85 ] وما بعده من قوله { كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم } إلى قوله { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضالون } [ آل عمران: 90 ] نزل جميع ذلك في قصة واحدة ، ومنهم من جعل ابتداء القصة من قوله { إِن الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } [ آل عمران: 90 ] ثم على التقديرين ففيها أيضًا قولان أحدهما: أنها في أهل الكتاب والثاني: أنها في قوم مرتدين عن الإسلام آمنوا ثم ارتدوا على ما شرحناه .
المسألة الثانية: اختلف العقلاء في تفسير قوله { كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم } أما المعتزلة فقالوا: إن أصولنا تشهد بأنه تعالى هدى جميع الخلق إلى الدين بمعنى التعريف ، ووضع الدلائل وفعل الألطاف ، إذ لو يعم الكل بهذه الأشياء لصار الكافر والضال معذورًا ، ثم إنه تعالى حكم بأنه لم يهد هؤلاء الكفار ، فلا بد من تفسير هذه الهداية بشيء آخر سوى نصب الدلائل ، ثم ذكروا فيه وجوهًا الأول: المراد من هذه الآية منع الألطاف التي يؤتيها المؤمنين ثوابًا لهم على إيمانهم كما قال تعالى: { والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [ العنكبوت: 69 ] وقال تعالى: { وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى } [ مريم: 76 ] وقال تعالى: { والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى } [ محمد: 17 ] وقال: { يَهْدِى بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام } [ المائدة: 16 ] فدلت هذه الآيات على أن المهتدي قد يزيده الله هدىً الثاني: أن المراد أن الله تعالى لا يهديهم إلى الجنة قال تعالى: