فهرس الكتاب

الصفحة 3904 من 8321

واعلم أن قوله تعالى: { إِنَّهُ لَن يُؤْمِنَ قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ } [ هود: 36 ] يقتضي تعريف نوح عليه السلام أنه معذبهم ومهلكهم ، فكان يحتمل أن يعذبهم بوجوه التعذيب ، فعرفه الله تعالى أنه يعذبهم بهذا الجنس الذي هو الغرق ، ولما كان السبيل الذي به يحصل النجاة من الغرق تكوين السفينة . لا جرم أمر الله تعالى بإصلاح السفينة وإعدادها ، فأوحى الله تعالى إليه أن يصنعها على مثال جوجؤ الطائر .

فإن قيل: قوله تعالى: { واصنع الفلك } أمر إيجاب أو أمر إباحة .

قلنا: الأظهر أنه أمر إيجاب ، لأنه لا سبيل له إلى صون روح نفسه وأرواح غيره عن الهلاك إلا بهذا الطريق وصون النفس عن الهلاك واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ويحتمل أن لا يكون ذلك الأمر أمر إيجاب بل كان أمر إباحة ، وهو بمنزلة أن يتخذ الإنسان لنفسه دارًا ليسكنها ويقيم بها .

أما قوله: { بِأَعْيُنِنَا } فهذا لا يمكن أجراؤه على ظاهره من وجوه: أحدها: أنه يقتضي أن يكون لله تعالى أعين كثيرة . وهذا يناقض ظاهر قوله تعالى: { وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِى } [ طه: 39 ] وثانيها: أنه يقتضي أن يصنع نوح عليه السلام ذلك الفلك بتلك الأعين ، كما يقال: قطعت بالسكين ، وكتبت بالقلم ، ومعلوم أن ذلك باطل . وثالثها: أنه ثبت بالدلائل القطعية العقلية كونه تعالى منزهًا عن الأعضاء والجوارح والأجزاء والأبعاض ، فوجب المصير فيه إلى التأويل ، وهو من وجوه: الأول: أن معنى { بِأَعْيُنِنَا } أي بعين الملك الذي كان يعرفه كيف يتخذ السفينة ، يقال فلان عين على فلان نصب عليه ليكون منفحصًا عن أحواله ولا تحول عنه عينه . الثاني: أن من كان عظيم العناية بالشيء فإنه يضع عينه عليه ، فلما كان وضع العين على الشيء سببًا لمبالغة الاحتياط والعناية جعل العين كناية عن الاحتياط ، فلهذا قال المفسرون معناه بحفظنا إياك حفظ من يراك ويملك دفع السوء عنك ، وحاصل الكلام أن إقدامه على عمل السفينة مشروط بأمرين أحدهما: أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل . والثاني: أن يكون عالمًا بأنه كيف ينبغي تأليف السفينة وتركيبها ودفع الشر عنه ، وقوله: { وَوَحْيِنَا } إشارة إلى أنه تعالى يوحي إليه أنه كيف ينبغي عمل السفينة حتى يحصل منه المطلوب .

وأما قوله: { وَلاَ تخاطبنى فِى الذين ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مغرقون } ففيه وجوه: الأول: يعني لا تطلب مني تأخير العذاب عنهم فإني قد حكمت عليهم بهذا الحكم ، فلما علم نوح عليه السلام ذلك دعا عليهم بعد ذلك وقال: { رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّارًا } [ نوح: 26 ] الثاني: { وَلاَ تخاطبنى } في تعجيل ذلك العقاب على الذين ظلموا ، فإني لما قضيت إنزال ذلك العذاب في وقت معين كان تعجيله ممتنعًا ، الثالث: المراد بالذين ظلموا امرأته وابنه كنعان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت