فهرس الكتاب

الصفحة 3506 من 8321

اعلم أنه تعالى لما حكى عن الأعداء أنهم يحاولون إبطال أمر محمد A وبين تعالى أنه يأبى ذلك الإبطال وأنه يتم أمره ، بين كيفية ذلك الإتمام فقال: { هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق } .

واعلم أن كمال حال الأنبياء صلوات الله عليهم لا تحصل إلا بمجموع أمور: أولها: كثرة الدلائل والمعجزات ، وهو المراد من قوله: { أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى } وثانيها: كون دينه مشتملًا على أمور يظهر لكل أحد كونها موصوفة بالصواب والصلاح ومطابقة الحكمة وموافقة المنفعة في الدنيا والآخرة ، وهو المراد من قوله: { وَدِينِ الحق } وثالثها: صيرورة دينه مستعليًا على سائر الأديان غالبًا عليها غالبًا لأضدادها قاهرًا لمنكريها ، وهو المراد من قوله: { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ } .

واعلم أن ظهور الشيء على غيره قد يكون بالحجة ، وقد يكون بالكثرة والوفور ، وقد يكون بالغلبة والاستيلاء ، ومعلوم أنه تعالى بشر بذلك ، ولا يجوز أن يبشر إلا بأمر مستقبل غير حاصل ، وظهور هذا الدين بالحجة مقرر معلوم ، فالواجب حمله على الظهور بالغلبة .

فإن قيل: ظاهر قوله: { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ } يقتضي كونه غالبًا لكل الأديان ، وليس الأمر كذلك ، فإن الإسلام لم يصر غالبًا لسائر الأديان في أرض الهند والصين والروم ، وسائر أراضي الكفرة .

قلنا أجابوا عنه من وجوه:

الوجه الأول: أنه لا دين بخلاف الإسلام إلا وقد قهرهم المسلمون وظهروا عليهم في بعض المواضع ، وإن لم يكن كذلك في جميع مواضعهم ، فقهروا اليهود وأخرجوهم من بلاد العرب ، وغلبوا النصارى على بلاد الشام وما والاها إلى ناحية الروم والغرب ، وغلبوا المجوس على ملكهم ، وغلبوا عباد الأصنام على كثير من بلادهم مما يلي الترك والهند ، وكذلك سائر الأديان . فثبت أن الذي أخبر الله عنه في هذه الآية قد وقع وحصل وكان ذلك إخبارًا عن الغيب فكان معجزًا .

الوجه الثاني: في الجواب أن نقول: روي عن أبي هريرة Bه أنه قال: هذا وعد من الله بأنه تعالى يجعل الإسلام عاليًا على جميع الأديان . وتمام هذا إنما يحصل عند خروج عيسى ، وقال السدي: ذلك عند خروج المهدي ، لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام أو أدى الخراج .

الوجه الثالث: المراد: ليظهر الإسلام على الدين كله في جزيرة العرب ، وقد حصل ذلك فإنه تعالى ما أبقى فيها أحدًا من الكفار .

الوجه الرابع: أن المراد من قوله: { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ } أن يوقفه على جميع شرائع الدين ويطلعه عليها بالكلية حتى لا يخفى عليه منها شيء .

الوجه الخامس: أن المراد من قوله: { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ } بالحجة والبيان إلا أن هذا ضعيف؛ لأن هذا وعد بأنه تعالى سيفعله والتقوية بالحجة والبيان كانت حاصلة من أول الأمر ، ويمكن أن يجاب عنه بأن في مبدأ الأمر كثرت الشبهات بسبب ضعف المؤمنين واستيلاء الكفار ، ومنع الكفار سائر الناس من التأمل في تلك الدلائل . أما بعد قوة دولة الإسلام عجزت الكفار فضعفت الشبهات ، فقوي ظهور دلائل الإسلام ، فكان المراد من تلك البشارة هذه الزيادة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت