فهرس الكتاب

الصفحة 4392 من 8321

وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو الشبهة الخامسة لمنكري النبوة كانوا يقولون: الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله واحدًا من البشر ، بل لو أراد بعثة رسول إلينا لكان يبعث ملكًا ، وقد ذكرنا تقرير هذه الشبهة في سورة الأنعام فلا نعيده ههنا ، ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عنهم: { وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } [ الأنعام: 8 ] وقالوا: { أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا } [ المؤمنون: 47 ] وقالوا: { مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مّثْلَكُمْ } [ المؤمنون: 33 ، 34 ] وقال: { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ } [ يونس: 2 ] وقالوا: { لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا } [ الفرقان: 7 ] .

فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِمْ } والمعنى: أن عادة الله تعالى من أول زمان الخلق والتكليف أنه لم يبعث رسولًا إلا من البشر ، فهذه العادة مستمرة لله سبحانه وتعالى ، وطعن هؤلاء الجهال بهذا السؤال الركيك أيضًا طعن قديم فلا يلتفت إليه .

المسألة الثانية: دلت الآية على أنه تعالى ما أرسل أحدًا من النساء ، ودلت أيضًا على أنه ما أرسل ملكًا ، لكن ظاهر قوله: { جَاعِلِ الملائكة رُسُلًا } [ فاطر: 1 ] يدل على أن الملائكة رسل الله إلى سائر الملائكة ، فكان ظاهر هذه الآية دليلًا على أنه ما أرسل رسولًا من الملائكة إلى الناس . قال القاضي: وزعم أبو علي الجبائي أنه لم يبعث إلى الأنبياء عليهم السلام إلا من هو بصورة الرجال من الملائكة . ثم قال القاضي: لعله أراد أن الملك الذي يرسل إلى الأنبياء عليهم السلام بحضرة أممهم ، لأنه إذا كان كذلك فلا بد من أن يكون أيضًا بصورة الرجال ، كما روي أن جبريل عليه السلام حضر عند رسول الله A في صورة دحية الكلبي وفي صورة سراقة ، وإنما قلنا ذلك لأن المعلوم من حال الملائكة أن عند إبلاغ الرسالة من الله تعالى إلى الرسول قد يبقون على صورتهم الأصلية الملكية ، وقد روي أن النبي A رأى جبريل عليه السلام على صورته التي هو عليها مرتين ، وعليه تأولوا قوله تعالى: { وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أخرى } [ النجم: 13 ] ولما ذكر الله تعالى هذا الكلام أتبعه بقوله: { فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: في المراد بأهل الذكر وجوه: الأول: قال ابن عباس Bهما: يريد أهل التوراة ، والذكر هو التوراة . والدليل عليه قوله تعالى: { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزبور مِن بَعْدِ الذكر } [ الأنبياء: 105 ] يعني التوراة . الثاني: قال الزجاج: فاسألوا أهل الكتب الذين يعرفون معاني كتب الله تعالى ، فإنهم يعرفون أن الأنبياء كلهم بشر ، والثالث: أهل الذكر أهل العلم بأخبار الماضين ، إذ العالم بالشيء يكون ذاكرًا له . والرابع: قال الزجاج: معناه سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق . وأقول: الظاهر أن هذه الشبهة وهي قولهم: الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله واحدًا من البشر إنما تمسك بها كفار مكة ، ثم إنهم كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله بأن يرجعوا في هذه المسألة إلى اليهود والنصارى ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها ، فإن اليهودي والنصراني لا بد لهما من تزييف هذه الشبهة وبيان سقوطها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت