المسألة الثانية: اختلف الناس في أنه هل يجوز للمجتهد تقليد المجتهد؟ منهم من حكم بالجواز واحتج بهذه الآية فقال: لما لم يكن أحد المجتهدين عالمًا وجب عليه الرجوع إلى المجتهد الآخر الذي يكون عالمًا لقوله تعالى: { فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } فإن لم يجب فلا أقل من الجواز .
المسألة الثالثة: احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: المكلف إذا نزلت به واقعة فإن كان عالمًا بحكمها لم يجز له القياس ، وإن لم يكن عالمًا بحكمها وجب عليه سؤال من كان عالمًا بها لظاهر هذه الآية ، ولو كان القياس حجة لما وجب عليه سؤال العالم لأجل أنه يمكنه استنباط ذلك الحكم بواسطة القياس ، فثبت أن تجويز العمل بالقياس يوجب ترك العمل بظاهر هذه الآية فوجب أن لا يجوز ، والله أعلم .
وجوابه: أنه ثبت جواز العمل بالقياس بإجماع الصحابة ، والإجماع أقوى من هذا الدليل ، والله أعلم .
ثم قال تعالى: { بالبينات والزبر } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: ذكروا في الجالب لهذه الباء وجوهًا: الأول: أن التقدير: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالًا يوحى إليهم ، وأنكر الفراء ذلك وقال: إن صلة ما قبل إلا لا يتأخر إلى بعد ، والدليل عليه: أن المستثنى عنه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته ، فما لم يصر هذا المجموع مذكورًا بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه . الثاني: أن التقدير: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا يوحى إليهم بالبينات والزبر ، وعلى هذا التقدير فقوله: { بالبينات والزبر } متعلق بالمستثنى . والثالث: أن الجالب لهذا الباء محذوف ، والتقدير أرسلناهم بالبينات وهذا قول الفراء . قال: ونظيره ما مر إلا أخوك بزيد ما مر إلا أخوك ثم يقول مر بزيد . الرابع: أن يقال: الذكر بمعنى العلم ، والتقدير فاسألوا أهل الذكر بالبينات والزبر إن كنتم لا تعلمون . الخامس: أن يكون التقدير: إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر فاسألوا أهل الذكر .
المسألة الثانية: قوله تعالى: { بالبينات والزبر } لفظة جامعة لكل ما تكامل به الرسالة ، لأن مدار أمرها على المعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وهي البينات وعلى التكاليف التي يبلغها الرسول من الله تعالى إلى العباد وهي الزبر .