فهرس الكتاب

الصفحة 5444 من 8321

اعلم أنه سبحانه لما أمر الرسول بأن يتوكل عليه وصف نفسه بأمور: أولها: بأنه حي لا يموت وهو قوله: { وَتَوَكَّلْ عَلَى الحى الذى لاَ يَمُوتُ } [ الفرقان: 58 ] وثانيها: أنه عالم بجميع المعلومات وهو قوله: { وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا } [ الفرقان: 58 ] وثالثها: أنه قادر على كل الممكنات وهو المراد من قوله: { الذى خَلَقَ السموات والأرض } فقوله: { الذى خَلَقَ } متصل بقوله: { الحى الذى لاَ يَمُوتُ } لأنه سبحانه لما كان هو الخالق للسموات والأرضين ولكل ما بينهما ثبت أنه هو القادر على جميع وجوه المنافع ودفع المضار ، وأن النعم كلها من جهته فحينئذ لا يجوز التوكل إلا عليه . وفي الآية سؤالات:

السؤال الأول: الأيام عبارة عن حركات الشمس في السموات فقبل السموات لا أيام ، فكيف قال الله خلقها في ستة أيام؟ الجواب: يعني في مدة مقدارها هذه المدة لا يقال الشيء الذي يتقدر بمقدار محدود ويقبل الزيادة والنقصان والتجزئة لا يكون عدمًا محضًا ، بل لا بد وأن يكون موجودًا فيلزم من وجوده وجود مدة قبل وجود العالم وذلك يقتضي قدم الزمان ، لأنا نقول هذا معارض بنفس الزمان ، لأن المدة المتوهمة المحتملة لعشرة أيام لا تحتمل خمسة أيام ، والمدة المتوهمة التي تحتمل خمسة أيام لا تحتمل عشرة أيام ، فيلزم أن يكون للمدة مدة أخرى ، فلما لم يلزم هذا لم يلزم ما قلتموه وعلى هذا نقول لعل الله سبحانه خلق المدة أولًا ثم السموات والأرض فيها بمقدار ستة أيام ، ومن الناس من قال في ستة أيام من أيام الآخرة وكل يوم ألف سنة وهو بعيد لأن التعريف لا بد وأن يكون بأمر معلوم لا بأمر مجهول .

السؤال الثاني: لم قدر الخلق والإيجاد بهذا التقدير؟ الجواب: أما على قولنا فالمشيئة والقدرة كافية في التخصيص ، قالت المعتزلة بل لا بد من داعي حكمة وهو أن تخصيص خلق العالم بهذا المقدار أصلح للمكلفين وهذا بعيد لوجهين: أحدهما: أن حصول تلك الحكمة ، إما أن يكون واجبًا لذاته أو جائزًا فإن كان واجبًا وجب أن لا يتغير فيكون حاصلًا في كل الأزمنة ، فلا يصلح أن يكون سببًا لتخصيص زمان معين وإن كان جائزًا افتقر حصول تلك الحكمة في ذلك الوقت إلى مخصص آخر ويلزم التسلسل والثاني: أن التفاوت بين كل واحد مما لا يصل إليه خاطر المكلف وعقله ، فحصول ذلك التفاوت لما لم يكن مشعورًا به كيف يقدح في حصول المصالح .

واعلم أنه يجب على المكلف سواء كان على قولنا أو على قول المعتزلة أن يقطع الطمع عن أمثال هذه الأسئلة ، فإنه بحر لا ساحل له . من ذلك تقدير الملائكة الذين هم أصحاب النار بتسعة عشر وحملة العرش بالثمانية وشهور السنة باثني عشر والسموات السبع وكذا الأرض وكذا القول في عدد الصلوات ومقادير النصب في الزكوات وكذا مقادير الحدود والكفارات فالإقرار بأن كل ما قاله الله تعالى حق هو الدين ، وترك البحث عن هذه الأشياء هو الواجب وقد نص عليه تعالى في قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت