فيه مسائل:
المسألة الأولى: أم: منقطعة ، والتقدير بل يحسدون الناس .
المسألة الثانية: في المراد بلفظ «الناس» قولان: الأول: وهو قول ابن عباس والأكثرين انه محمد A ، وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد لأنه اجتمع عنده من خصال الخير ما لا يحصل إلا متفرقا في الجمع العظيم ، ومن هذا يقال: فلان أمة وحده ، أي يقوم مقام أمة ، قال تعالى: { إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قانتا } [ النحل: 120 ] .
والقول الثاني: المراد ههنا هو الرسول ومن معه من المؤمنين ، وقال من ذهب إلى هذا القول: ان لفظ الناس جمع ، فحمله على الجمع أولى من حمله على المفرد .
واعلم أنه إنما حسن ذكر الناس لارادة طائفة معينة من الناس ، لأن المقصود من الخلق إنما هو القيام بالعبودية ، كما قال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات: 56 ] فلما كان القائمون بهذا المقصود ليس إلا محمدا A ومن كان على دينه كان وهو وأصحابه كأنهم كل الناس ، فلهذا حسن إطلاق لفظ الناس وإرادتهم على التعيين:
المسألة الثالثة: اختلفوا في تفسير الفضل الذي لأجله صاروا محسودين على قولين:
فالقول الأول: انه هو النبوة والكرامة الحاصلة بسببها في الدين والدنيا .
والقول الثاني: انهم حسدوه على انه كان له من الزوجات تسع .
واعلم أن الحسد لا يحصل إلا عند الفضيلة ، فكلما كانت فضيلة الانسان أتم وأكمل كان حسد الحاسدين عليه أعظم ، ومعلوم أن النبوة أعظم المناصب في الدين ، ثم انه تعالى أعطاها لمحمد A ، وضم اليها انه جعله كل يوم أقوى دولة وأعظم شوكة وأكثر أنصارًا وأعوانًا وكل ذلك مما يوجب الحسد العظيم . فاما كثرة النساء فهو كالأمر الحقير بالنسبة إلى ما ذكرناه ، فلا يمكن تفسير هذا الفضل به ، بل ان جعل الفضل اسما لجميع ما أنعم الله تعالى به عليه دخل هذا أيضا تحته ، فأما على سبيل القصر عليه فبعيد .
واعلم أنه تعالى لما بين أن كثرة نعم الله عليه صارت سببا لحسد هؤلاء اليهود بين ما يدفع ذلك فقال: { فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم مُّلْكًا عَظِيمًا } [ النساء: 54 ] والمعنى أنه حصل في أولاد ابراهيم جماعة كثيرون جمعوا بين النبوة والملك ، وأنتم لا تتعجبون من ذلك ولا تحسدونه ، فلم تتعجبون من حال محمد ولم تحسدونه؟
واعلم أن { الكتاب } إشارة إلى ظواهر الشريعة { والحكمة } إشارة إلى أسرار الحقيقة ، وذلك هو كمال العلم ، وأما الملك العظيم فهو كمال القدرة . وقد ثبت أن الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة ، فهذا الكلام تنبيه على أنه سبحانه آتاهم أقصى ما يليق بالانسان من الكمالات ، ولما لم يكن ذلك مستبعدا فيهم لا يكون مستبعدا في حق محمد A .