فهرس الكتاب

الصفحة 1010 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بين حال من يتخذ من دون الله أندادًا بقوله: { وَلَوْ يَرَى الذين ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ العذاب } [ البقرة: 165 ] على طريق التهديد زاد في هذا الوعيد بقوله تعالى: { إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا } فبين أن الذين أفنوا عمرهم على عبادتهم واعتقدوا أنهم أوكد أسباب نجاتهم فإنهم يتبرأون منهم عند احتياجهم إليهم ونظيره قوله تعالى: { يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } [ العنكبوت: 25 ] وقال أيضًا: { الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين } [ الزخرف: 67 ] وقال: { كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } [ الأعراف: 38 ] وحكى عن إبليس أنه قال: { إِنّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } [ إبراهيم: 22 ] وههنا مسائل:

المسألة الأولى: في قوله: { إِذْ تَبَرَّأَ } قولان ، الأول: أنه بدل من: { إِذْ يَرَوْنَ العذاب } [ البقرة: 165 ] . الثاني: أن عامل الإعراب في ( إذ ) معنى شديد كأنه قال: هو شديد العذاب إذ تبرأ يعني في وقت التبرؤ .

المسألة الثانية: معنى الآية أن المتبوعين يتبرؤن من الأتباع ذلك اليوم فبين تعالى ما لأجله يتبرؤن منهم وهو عجزهم عن تخليصهم من العذاب الذي رأوه لأن قوله: { وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب } يدخل في معناه أنهم لم يجدوا إلى تخليص أنفسهم وأتباعهم سببًا ، والآيس من كل وجه يرجو به الخلاص مما نزل به وبأوليائه من البلاء يوصف بأنه تقطعت به الأسباب واختلفوا في المراد بهؤلاء المتبوعين على وجوه . أحدها: أنهم السادة والرؤساء من مشركي الإنس ، عن قتادة والربيع وعطاء . وثانيها: أنهم شياطين الجن الذين صاروا متبوعين للكفار بالوسوسة عن السدي . وثالثها: أنهم شياطين الجن والإنس . ورابعها: الأوثان الذين كانوا يسمونها بالآلهة والأقرب هو الأول لأن الأقرب في الذين اتبعوا أنهم الذين يصح منهم الأمر والنهي حتى يمكن أن يتبعوا وذلك لا يليق بالأصنام ، ويجب أيضًا حملهم على السادة من الناس لأنهم الذين يصح وصفهم من عظمهم بأنهم يحبونهم كحب الله دون الشياطين ويؤكده قوله تعالى: { إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا } [ الأحزاب: 67 ] ، وقرأ مجاهد الأول على البناء للفاعل ، والثاني على البناء للمفعول أي تبرأ الاتباع من الرؤساء .

المسألة الثالثة: ذكروا في تفسير التبرؤ وجوهًا . أحدها: أن يقع منهم ذلك بالقول . وثانيها: أن يكون نزول العذاب بهم ، وعجزهم عن دفعهم عن أنفسهم فكيف عن غيرهم فتبرؤا . وثالثها: أنه ظهر فيهم الندم على ما كان منهم من الكفر بالله والإعراض عن أنبيائه ورسله فسمي ذلك الندم تبرؤا والأقرب هو الأول ، لأنه هو الحقيقة في اللفظ .

أما قوله تعالى: { وَرَأَوُاْ العذاب } الواو للحال ، أي يتبرؤون في حال رؤيتهم العذاب وهذا أولى من سائر الأقوال ، لأن في تلك الحالة يزداد الهول والخوف .

أما قوله تعالى: { وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب } ففيه مسائل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت