إعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل التوحيد والنبوّة ، وصحة دين الإسلام ، ثم قال لرسوله { فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ وَمَنِ اتبعن } [ آل عمران: 20 ] ثم ذكر من صفات المخالفين كفرهم بالله ، وقتلهم الأنبياء والصالحين بغير حق ، وذكر شدة عنادهم وتمردهم في قوله { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب } [ آل عمران: 23 ] ثم ذكر شدة غرورهم بقوله { لَن تَمَسَّنَا النار إِلا أَيَّامًا معدودات } [ آل عمران: 24 ] ثم ذكر وعيدهم بقوله { فَكَيْفَ إِذَا جمعناهم لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } [ آل عمران: 25 ] أمر رسول الله A بدعاء وتمجيد يدل على مباينة طريقه وطريق أتباعه ، لطريقة هؤلاء الكافرين المعاندين المعرضين ، فقال معلمًا نبيّه كيف يمجّد ويعظم ويدعو ويطلب { قُلِ اللهم مالك الملك } وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: اختلف النحويون في قوله { اللهم } فقال الخليل وسيبويه { اللهم } معناه: يا الله ، والميم المشددة عوض من يا ، وقال الفرّاء: كان أصلها ، يا الله أم بخير: فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء ، وحذفوا الهمزة من: أم ، فصار { اللهم } ونظيره قول العرب: هلم ، والأصل: هل ، فضم: أم إليها ، حجة الأولين على فساد قول الفرّاء وجوه الأول: لو كان الأمر على ما قاله الفراء لما صحّ أن يقال: اللّهم افعل كذا إلا بحرف العطف ، لأن التقدير: يا الله أمنا واغفر لنا ، ولم نجد أحدًا يذكر هذا الحرف العاطف والثاني: وهو حجة الزجاج أنه لو كان الأمر كما قال ، لجاز أن يتكلم به على أصله ، فيقال ( الله أم ) كما يقال ( ويلم ) ثم يتكلم به على الأصل فيقال ( وَيْلٌ أُمُّهُ ) الثالث: لو كان الأمر على ما قاله الفراء لكان حرف النداء محذوفًا ، فكان يجوز أن يقال: يا اللّهم ، فلما لم يكن هذا جائزًا علمنا فساد قول الفراء بل نقول: كان يجب أن يكون حرف النداء لازمًا ، كما يقال: يا الله اغفر لي ، وأجاب الفراء عن هذه الوجوه ، فقال: أما الأول فضعيف ، لأن قوله ( يا الله أم ) معناه: يا الله اقصد ، فلو قال: واغفر لكان المعطوف مغايرًا للمعطوف عليه فحينئذ يصير السؤال سؤالين أحدهما: قوله { أمنا } والثاني: قوله { واغفر لَنَا } [ البقرة: 286 ] أما إذا حذفنا العطف صار قوله: اغفر لنا تفسيرًا لقوله: أمنا . فكان المطلوب في الحالين شيئًا واحدًا فكان ذلك آكد ، ونظائره كثيرة في القرآن ، وأما الثاني فضعيف أيضًا ، لأن أصله عندنا أن يقال: يا الله أمنا . ومن الذي ينكر جواز التكلم بذلك ، وأيضًا فلأن كثيرًا من الألفاظ لا يجوز فيها إقامة الفرع مقام الأصل ، ألا ترى أن مذهب الخليل وسيبويه أن قوله: ما أكرمه ، معناه أي شيء أكرمه ثم إنه قط لا يستعمل هذا الكلام الذي زعموا أنه الأصل في معرض التعجب فكذا ههنا ، وأما الثالث: فمن الذي سلم لكم أنه لا يجوز أن يقالّ: يا اللّهم وأنشد الفرّاء: