فهرس الكتاب

الصفحة 3487 من 8321

وفي هذه الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر في الآية المتقدمة أنه يجب الإعراض عن مخالطة الآباء والأبناء والإخوان والعشائر وعن الأموال والتجارات والمساكن ، رعاية لمصالح الدين ، ولما علم الله تعالى أن هذا يشق جدًا على النفوس والقلوب ، ذكر ما يدل على أن من ترك الدنيا لأجل الدين فإنه يوصله إلى مطلوبه من الدنيا أيضًا ، وضرب تعالى لهذا مثلًا ، وذلك أن عسكر رسول الله A في واقعة حنين كانوا في غاية الكثرة والقوة ، فلما أعجبوا بكثرتهم صاروا منهزمين ، ثم في حال الانهزام لما تضرعوا إلى الله قواهم حتى هزموا عسكر الكفار ، وذلك يدل على أن الإنسان متى اعتمد على الدنيا فاته الدين والدنيا ، ومتى أطاع الله ورجح الدين على الدنيا آتاه الله الدين والدنيا على أحسن الوجوه ، فكان ذكر هذا تسلية لأولئك الذين أمرهم الله بمقاطعة الآباء والأبناء والأموال والمساكن ، لأجل مصلحة الدين وتصبيرًا لهم عليها ، ووعدًا لهم على سبيل الرمز بأنهم إن فعلوا ذلك فالله تعالى يوصلهم إلى أقاربهم وأموالهم ومساكنهم على أحسن الوجوه ، هذا تقرير النظم وهو في غاية الحسن .

المسألة الثانية: قال الواحدي: النصر: المعونة على العدو خاصة ، والمواطن جمع موطن ، وهو كل موضع أقام به الإنسان لأمر ، فعلى هذا: مواطن الحرب مقاماتها مواقفها وامتناعها من الصرف لأنه جمع على صيغة لم يأت عليها واحد ، والمواطن الكثيرة غزوات رسول الله . ويقال: إنها ثمانون موطنًا ، فأعلمهم الله تعالى بأنه هو الذي نصر المؤمنين ، ومن نصره الله فلا غالب له .

ثم قال: { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ } أي واذكروا يوم حنين من جملة تلك المواطن حال ما أعجبتكم كثرتكم .

المسألة الثالثة: لما فتح رسول الله A مكة ، وقد بقيت أيام من شهر رمضان ، خرج متوجهًا إلى حنين لقتال هوازن وثقيف . واختلفوا في عدد عسكر رسول الله A فقال عطاء عن ابن عباس: كانوا ستة عشر ألفًا ، وقال قتادة: كانوا اثني عشر ألفًا عشرة آلاف الذين حضروا مكة ، وألفان من الطلقاء . وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف وبالجملة فكانوا عددًا كثيرين ، وكان هوازن وثقيف أربعة آلاف ، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة ، فهذه الكلمة ساءت رسول الله A وهي المراد من قوله: { إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ } وقيل إنه قالها رسول الله A ، وقيل قالها أبو بكر . وإسناد هذه الكلمة إلى رسول الله A بعيد ، لأنه كان في أكثر الأحوال متوكلًا على الله منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت