فهرس الكتاب

الصفحة 6719 من 8321

ثم قال تعالى: { رّزْقًا لّلْعِبَادِ } وفيه وجهان أحدهما نصب على المصدر لأن الإنبات رزق فكأنه تعالى قال: أنبتناها إنباتًا للعباد ، والثاني نصب على كونه مفعولًا له كأنه قال: أنبتناها لرزق العباد ، وههنا مسائل:

المسألة الأولى: قال في خلق السماء والأرض { تَبْصِرَةً وذكرى } [ ق: 8 ] وفي الثمار قال: { رِزْقًا } والثمار أيضًا فيها تبصرة ، وفي السماء والأرض أيضًا منفعة غير التبصرة والتذكرة ، فما الحكمة في اختيار الأمرين؟ نقول فيه وجوه أحدها: أن نقول الاستدلال وقع لوجود أمرين أحدهما الإعادة والثاني البقاء بعد الإعادة فإن النبي A كان يخبرهم بحشر وجمع يكون بعد الثواب الدائم والعقاب الدائم ، وأنكروا ذلك ، فأما الأول فالله القادر على خلق السموات والأرض قادر على خلق الخلق بعد الفناء ، وأما الثاني فلأن البقاء في الدنيا بالرزق والقادر على إخراج الأرزاق من النجم والشجر ، قادر على أن يرزق العبد في الجنة ويبقى ، فكأن الأول تبصرة وتذكرة بالخلق ، والثاني تذكرة بالبقاء بالرزق ، ويدل على هذا الفصل بينهما بقوله { تَبْصِرَةً وذكرى } حيث ذكر ذلك بعد الآيتين ، ثم بدأ بذكر الماء وإنزاله وإنباته النبات ثانيها: أن منفعة الثمار الظاهرة هي الرزق فذكرها ومنفعة السماء الظاهرة ليست أمرًا عائدًا إلى انتفاع العباد لبعدها عن ذهنهم ، حتى أنهم لو توهموا عدم الزرع والثمر لظنوا أن يهلكوا ، ولو توهموا عدم السماء فوقهم لقالوا لا يضرنا ذلك مع أن الأمر بالعكس أولى ، لأن السماء سبب الأرزاق بتقدير الله ، وفيها غير ذلك من المنافع ، والثمار وإن لم تكن ( ما ) كان العيش ، كما أنزل الله على قوم المن والسلوى وعلى قوم المائدة من السماء فذكر الأظهر للناس في هذا الموضع ثالثها: قوله { رِزْقًا } إشارة إلى كونه منعمًا لكون تكذيبهم في غاية القبح فإنه يكون إشارة ( للتكذيب ) بالمنعم وهو أقبح ما يكون .

المسألة الثانية: قال: { تَبْصِرَةً وذكرى لِكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ } [ ق: 8 ] فقيد العبد بكونه منيبًا وجعل خلقها تبصرة لعباده المخلصين وقال: { رّزْقًا لّلْعِبَادِ } مطلقًا لأن الرزق حصل لكل أحد ، غير أن المنيب يأكل ذاكرًا شاكرًا للإنعام ، وغيره يأكل كما تأكل الأنعام فلم يخصص الرزق بقيد .

المسألة الثالثة: ذكر في هذه الآية أمور ثلاثة أيضًا وهي إنبات الجنات والحب والنخل كما ذكر في السماء والأرض في كل واحدة أمورًا ثلاثة ، وقد ثبت أن الأمور الثلاثة في الآيتين المتقدمين متناسبة ، فهل هي كذلك في هذه الآية؟ نقول قد بينا أن الأمور الثلاثة إشارة إلى الأجناس الثلاثة ، وهي التي يبقى أصلها سنين ، ولا تحتاج إلى عمل عامل والتي لا يبقى أصلها وتحتاج كل سنة إلى عمل عامل ، والتي يجتمع فيها الأمران وليس شيء من الثمار والزروع خارجًا عنه أصلًا كما أن أمور الأرض منحصرة في ثلاثة: ابتداء وهو المد ، ووسط وهو النبات بالجبال الراسية ، وثالثها هو غاية الكمال وهو الإنبات والتزيين بالزخارف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت