اعلم أنه سبحانه لما بين حال المؤمن ، وأنه في الدنيا يكون في النور وبسببه يكون متمسكًا بالعمل الصالح ، ثم بين أنه في الآخرة يكون فائزًا بالنعيم المقيم والثواب العظيم ، أتبع ذلك بأن بين أن الكافر يكون في الآخرة في أشد الخسران ، وفي الدنيا في أعظم أنواع الظلمات ، وضرب لكل واحد منهما مثلًا ، أما المثل الدال على خيبته في الآخرة فهو قوله: { والذين كَفَرُواْ أعمالهم كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ } قال الأزهري: السراب ما يتراءى للعين وقت الضحى الأكبر في الفلوات شبيه الماء الجاري وليس بماء ولكن الذي ينظر إليه من بعيد يظنه ماء جاريًا يقال سرب الماء يسرب سروبًا إذا جرى فهو سارب ، أما الآل فهو ما يتراءى للعين في أول النهار فيرى الناظر الصغير كبيرًا ، وظاهر كلام الخليل أن الآل والسراب واحد ، وأما القيعة فقال الفراء: هو جمع قاع مثل جار وجيرة والقاع المنبسط المستوي من الأرض وقال صاحب «الكشاف» القيعة بمعنى القاع ، وقال الزجاج الظمآن: قد يخفف همزه ، وهو الشديد العطش ، ثم وجه التشبيه أن الذي يأتي به الكافر إن كان من أفعال البر فهو لا يستحق عليه ثوابًا ، مع أنه يعتقد أن له ثوابًا عليه ، وإن كان من أفعال الإثم فهو يستحق عليه عقابًا مع أنه يعتقد أنه يستحق عليه ثوابًا ، فكيف كان فهو يعتقد أن له ثوابًا عند الله تعالى ، فإذا وافى عرصات القيامة ، ولم يجد الثواب بل وجد العقاب العظيم عظمت حسرته وتناهى غمه ، فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى الماء فإذا شاهد السراب تعلق قلبه به ويرجو به النجاة ويقوى طمعه فإذا جاءه وأيس مما كان يرجوه فيعظم ذلك عليه وهذا المثال في غاية الحسن ، قال مجاهد السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته ومفارقة الدنيا فإن قيل قوله: { حتى إِذَا جَاءهُ } يدل على كونه شيئًا وقوله: { لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا } مناقض له؟ قلنا الجواب عنه من وجوه ثلاثة: الأول: المراد معناه أنه لم يجده شيئًا نافعًا كما يقال فلان ما عمل شيئًا وإن كان قد اجتهد الثاني: حتى إذا جاءه أي جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئًا فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه الثالث: الكناية للسراب لأن السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه ضباب وهباء وإذا قرب منه رق وانتثر وصار كالهواء .
أما قوله: { وَوَجَدَ الله عِندَهُ فوفاه حِسَابَهُ } أي وجد عقاب الله الذي توعد به الكافر عند ذلك فتغير ما كان فيه من ظن النفع العظيم إلى تيقن الضرر العظيم ، أو وجد زبانية الله عنده يأخذونه فيقبلون به إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق ، وهم الذين قال الله تعالى فيهم