فهرس الكتاب

الصفحة 5862 من 8321

قد ذكرنا أن السورة فيها تأديب للنبي عليه السلام من ربه فقوله في ابتدائها: { ياأيها النبى اتق الله } اشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه مع ربه وقوله: { ياأيها النبى قُل لأزواجك } إشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله وقوله: { ياأيها النبى إِنَّا أرسلناك } إشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه مع عامة الخلق وقوله تعالى: { شاهدا } يحتمل وجوهًا أحدهما: أنه شاهد على الخلق يوم القيامة كما قال تعالى: { وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } [ البقرة: 143 ] وعلى هذا فالنبي بعث شاهدًا أي متحملًا للشهادة ويكون في الآخرة شهيدًا أي مؤديًا لما تحمله ثانيها: أنه شاهد أن لا إله إلا الله ، وعلى هذا لطيفة وهو أن الله جعل النبي شاهدًا على الوحدانية والشاهد لا يكون مدعيًا فالله تعالى لم يجعل النبي في مسئلة الوحدانية مدعيًا لها لأن المدعي من يقول شيئًا على خلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس والنبي عليه السلام كان ادعى النبوة فجعل الله نفسه شاهدًا له في مجازاة كونه شاهدًا لله فقال تعالى: { والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ } [ المنافقون: 1 ] وثالثها: أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا بالطاعة والمعصية والصلاح والفساد وقوله: { وَمُبَشّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا } فيه ترتيب حسن وذلك من حيث إن النبي عليه السلام أرسل شاهدًا بقوله لا إله إلا الله ويرغب في ذلك بالبشارة فإن لم يكف ذلك يرهب بالإنذار ثم لا يكتفي بقولهم لا إله إلا الله بل يدعوهم إلى سبيل الله كما قال تعالى: { ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ } [ النحل: 125 ] وقوله: { وَسِرَاجًا مُّنِيرًا } أي مبرهنًا على ما يقول مظهرًا له بأوضح الحجج وهو المراد بقوله تعالى: { بالحكمة والموعظة الحسنة } [ النحل: 125 ] .

وفيه لطائف إحداها: قوله تعالى: { وَدَاعِيًا إِلَى الله بِإِذْنِهِ } حيث لم يقل وشاهدًا بإذنه ومبشرًا وعند الدعاء قال وداعيًا بإذنه ، وذلك لأن من يقول عن ملك إنه ملك الدنيا لا غيره لا يحتاج فيه إلى إذن منه فإنه وصفه بما فيه وكذلك إذا قال من يطيعه يسعد ومن يعصه يشقى يكون مبشرًا ونذيرًا ولا يحتاج إلى إذن من الملك في ذلك ، وأما إذا قال تعالوا إلى سماطه ، واحضروا على خوانه يحتاج فيه إلى إذنه فقال تعالى: { وَدَاعِيًا إِلَى الله بِإِذْنِهِ } ووجه آخر وهو أن النبي يقول إني أدعو إلى الله والولي يدعو إلى الله ، والأول لا إذن له فيه من أحد ، والثاني مأذون من جهة النبي عليه السلام كما قال تعالى: { قُلْ هذه سَبِيلِى ادعوا إلى الله على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعنى } [ يوسف: 108 ] وقال E:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت