ثم قال تعالى: { والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكتاب هُوَ الحق } .
لما بين الأصل الأول وهو وجود الله الواحد بأنواع الدلائل من قوله: { والله الذي أَرْسَلَ الرياح } [ فاطر: 9 ] وقوله: { والله خَلَقَكُمْ } [ فاطر: 11 ] وقوله: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ } [ فاطر: 27 ] ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة ، فقال: { والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكتاب هُوَ الحق } وأيضًا كأنه قد ذكر أن الذين يتلون كتاب الله يوفيهم الله فقال: { والذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكتاب هُوَ الحق } تقريرًا لما بين من الأجر والثواب في تلاوة كتاب الله فإنه حق وصدق فتاليه محق ومحقق وفي تفسيرها مسائل:
المسألة الأولى: قوله: { مِّنَ الكتاب } يحتمل أن يكون لابتداء الغاية كما يقال أرسل إلى كتاب من الأمير أو الوالي وعلى هذا فالكتاب بمكن أن يكون المراد منه اللوح المحفوظ يعني الذي أوحينا من اللوح المحفوظ إليك حق ، ويمكن أن يكون المراد هو القرآن يعني الإرشاد والتبيين الذي أوحينا إليك من القرآن ويحتمل أن يكون للبيان كما يقال أرسل إلى فلان من الثياب والقماش جملة .
المسألة الثانية: قوله: { هُوَ الحق } آكد من قول القائل الذي أوحينا إليك حق من وجهين أحدهما أن تعريف الخبر يدل على أن الأمر في غاية الظهور لأن الخبر في الأكثر يكن نكرة ، لأن الإخبار في الغالب يكون إعلامًا بثبوت أمر لا معرفة للسامع به لأمر يعرفه السامع كقولنا زيد قام فإن السامع ينبغي أن يكون عارفًا بزيد ولا يعلم قيامه فيخبر به ، فإذا كان الخبر أيضًا معلومًا فيكون الإخبار للتنبيه فيعرفان باللام كقولنا زيد العالم في هذه المدينة إذا كان علمه مشهورًا .
المسألة الثالثة: قوله: { مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } حال مؤكدة لكونه حقًا لأن الحق إذا كان لا خلاف بينه وبين كتب الله يكون خاليًا عن احتمال البطلان وفي قوله { مصدقًا } تقرير لكونه وحيًا لأن النبي A لما لم يكن قارئًا كاتبًا وأتى ببيان ما في كتب الله لا يكون ذلك إلا من الله تعالى وجواب عن سؤال الكفار وهو أنهم كانوا يقولون بأن التوراة ورد فيها كذا والإنجيل ذكر فيه كذا وكانوا يفترون من التثليث وغيره وكانوا يقولون بأن القرآن فيه خلاف ذلك فقال التوراة والإنجيل لم يبق بهما وثوق بسبب تغييركم فهذا القرآن ما ورد فيه إن كان في التوراة فهو حق وباق على ما نزل ، وإن لم يكن فيه ويكون فيه خلاف فهو ليس من التوراة ، فالقرآن مصدق للتوراة وفيه وجه آخر: وهو أن يقال إن هذا الوحي مصدق لما تقدم لأن الوحي لو لم يكن وجوده لكذب موسى وعيسى عليهما السلام في إنزال التوراة والإنجيل فإذا وجد الوحي ونزل على محمد A علم جوازه وصدق به ما تقدم ، وعلى هذا ففيه لطيفة: وهي أنه تعالى جعل القرآن مصدقًا لما مضى مع أن ما مضى أيضًا مصدق له لأن الوحي إذا نزل على واحد جاز أن ينزل على غيره وهو محمد A ولم يجعل ما تقدم مصدقًا للقرآن كونه معجزة يكفي في تصديقه بأنه وحي ، وأما ما تقدم فلا بد معه من معجزة تصدقه .