فهرس الكتاب

الصفحة 6512 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بيّن كيفية إهلاك فرعون وقومه بيّن كيفية إحسانه إلى موسى وقومه . واعلم أن دفع الضرر مقدم على إيصال النفع فبدأ تعالى ببيان دفع الضرر عنهم فقال: { وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إسراءيل مِنَ العذاب المهين } يعني قتل الأبناء واستخدام النساء والإتعاب في الأعمال الشاقة .

ثم قال: { مِن فِرْعَوْنَ } وفيه وجهان: الأول: أن يكون التقدير من العذاب المهين الصادر من فرعون الثاني: أن يكون فرعون بدلًا من العذاب المهين كأنه في نفسه كان عذابًا مهينًا لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم . قال صاحب «الكشاف» وقرىء { مِنْ عَذَابِ المهين } وعلى هذه القراءة ( فالمهين ) هو فرعون لأنه كان عظيم السعي في إهانة المحقين . وفي قراءة ابن عباس { مِن فِرْعَوْنَ } وهو بمعنى الاستفهام وقوله { إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ المسرفين } جوابه كأن التقدير أن يقال هل تعرفونه من هو في عتوه وشيطنته؟ ثم عرف حاله بقوله { إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ المسرفين } أي كان عالي الدرجة في طبقة المفسرين ، ويجوز أن يكون المراد { إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا } لقوله { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض } [ القصص: 4 ] وكان أيضًا مسرفًا ومن إسرافه أنه على حقارته وخسته ادعى الإلهية ، ولما بيّن الله تعالى أنه كيف دفع الضرر عن بني إسرائيل وبيّن أنه كيف أوصل إليهم الخيرات فقال: { وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين } وفيه بحثان:

البحث الأول: أن قوله { على عِلْمٍ } في موضع الحال ثم فيه وجهان أحدهما: أي عالمين بكونهم مستحقين لأن يختاروا ويرجحوا على غيرهم والثاني: أن يكون المعنى مع علمنا بأنهم قد يزيغون ويصدر عنهم الفرطات في بعض الأحوال .

البحث الثاني: ظاهر قوله { وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين } يقتضي كونهم أفضل من كل العالمين فقيل المراد على عالمي زمانهم ، وقيل هذا عام دخله التخصيص كقوله { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } [ آل عمران: 110 ] .

ثم قال تعالى: { وءاتيناهم مِنَ الآيات } مثل فلق البحر ، وتظليل الغمام ، وإنزال المن والسلوى ، وغيرها من الآيات القاهرة التي ما أظهر الله مثلها على أحد سواهم { بلاء مبين } أي نعمة ظاهرة ، لأنه تعالى لما كان يبلو بالمحنة فقد يبلو أيضًا بالنعمة اختبارًا ظاهرًا ليتميز الصديق عن الزنديق ، وهاهنا آخر الكلام في قصة موسى عليه السلام ثم رجع إلى ذكر كفار مكة ، وذلك لأن الكلام فيهم حيث قال: { بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ } أي بل هم في شك من البعث والقيامة ، ثم بيّن كيفية إصرارهم على كفرهم ، ثم بيّن أن قوم فرعون كانوا في الإصرار على الكفر على هذه القصة ، ثم بيّن كيف أهلكهم وكيف أنعم على بني إسرائيل ، ثم رجع إلى الحديث الأول ، وهو كون كفار مكة منكرين للبعث ، فقال: { إِنَّ هَؤُلاَء لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأولى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ } فإن قيل القوم كانوا ينكرون الحياة الثانية فكان من حقهم أن يقولوا: إن هي إلا حياتنا الأولى وما نحن بمنشرين؟ قلنا إنه قيل لهم إنكم تموتون موتة تعقبها حياة ، كما أنكم حال كونكم نطفًا كنتم أمواتًا وقد تعقبها حياة ، وذلك قوله { وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ فَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأولى } يريدون ما الموتة التي من شأنها أن تعقبها حياة إلا الموتة الأولى دون الموتة الثانية ، وما هذه الصفة التي تصفون بها الموتة من تعقيب الحياة لها إلا الموتة الأولى خاصة ، فلا فرق إذًا بين هذا الكلام وبين قوله { إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا } هذا ما ذكره صاحب «الكشاف» : ويمكن أن يذكر فيه وجه آخر ، فيقال قوله { إِنْ هِىَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأولى } يعني أنه لا يأتينا شيء من الأحوال إلا الموتة الأولى ، وهذا الكلام يدل على أنهم لا تأتيهم الحياة الثانية ألبتة ، ثم صرحوا بهذا المرموز فقالوا { وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ } فلا حاجة إلى التكلف الذي ذكره صاحب «الكشاف» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت