فهرس الكتاب

الصفحة 5405 من 8321

اعلم أن قوله تعالى: { وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملئكة أَوْ نرى رَبَّنَا } هو الشبهة الرابعة لمنكري نبوة محمد A وحاصلها: لم لم ينزل الله الملائكة حتى يشهدوا أن محمدًا محق في دعواه { أَوْ نرى رَبَّنَا } حتى يخبرنا بأنه أرسله إلينا؟ وتقرير هذه الشبهة أن من أراد تحصيل شيء ، وكان له إلى تحصيله طريقان ، أحدهما يفضي إليه قطعًا والآخر قد يفضي وقد لا يفضي ، فالحكيم يجب عليه في حكمته أن يختار في تحصيل ذلك المقصود الطريق الأقوى والأحسن ، ولا شك أن إنزال الملائكة ليشهدوا بصدق محمد A أكثر إفضاء إلى المقصود ، فلو أراد الله تعالى تصديق محمد A لفعل ذلك وحيث لم يفعل ذلك علمنا أنه ما أراد تصديقه هذا حاصل الشبهة ، ثم ههنا مسائل:

المسألة الأولى: قال الفراء قوله تعالى: { وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } معناه لا يخافون لقاءنا ووضع الرجاء في موضع الخوف لغة تهامية ، إذا كان معه جحد ، ومثله قوله تعالى: { مَالَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } [ نوح: 13 ] أي لا تخافون له عظمة ، وقال القاضي لا وجه لذلك ، لأن الكلام متى أمكن حمله على الحقيقة لم يجز حمله على المجاز ، ومعلوم أن من حال عباد الأصنام أنهم كما لا يخافون العقاب لتكذيبهم بالمعاد ، فكذلك لا يرجون لقاءنا ووعدنا على الطاعة من الجنة والثواب ، ومعلوم أن من لا يرجو ذلك لا يخاف العقاب أيضًا ، فالخوف تابع لهذا الرجاء .

المسألة الثانية: المجسمة تمسكوا بقوله تعالى: { لِقَاءنَا } أنه جسم وقالوا اللقاء هو الوصول يقال هذا الجسم لقي ذلك أي وصل إليه واتصل به ، وقال تعالى: { فَالْتَقَى الماء على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ } [ القمر: 12 ] فدلت الآية على أنه سبحانه جسم والجواب على طريقين الأول: طريق بعض أصحابنا قال المراد من اللقاء هو الرؤية ، وذلك لأن الرائي يصل برؤيته إلى حقيقة المرئي فسمى اللقاء أحد أنواع الرؤية والنوع الآخر الاتصال والمماسة ، فدلت الآية من هذا الوجه على جواز الرؤية الطريق الثاني: وهو كلام المعتزلة ، قال القاضي تفسير اللقاء برؤية البصر جهل باللغة ، فيقال في الدعاء لقاك الله الخير وقد يقول القائل لم ألق الأمير وإن رآه من بعد أو حجب عنه ، ويقال في الضرير لقي الأمير إذا أذن له ولم يحجب وقد يلقاه في الليلة الظلماء ، ولا يراه بل المراد من اللقاء ههنا هو المصير إلى حكمه حيث لا حكم لغيره في يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا لا أن رؤية البصر ، واعلم أن هذا الكلام ضعيف لأنا لا نفسر اللقاء برؤية البصر بل نفسره بمعنى مشترك بين رؤية البصر ، وبين الاتصال والمماسة وهو الوصول إلى الشيء ، وقد بينا أن الرائي يصل برؤيته إلى المرئي واللفظ الموضوع لمعنى مشترك بين معان كثيرة ، ينطلق على كل واحد من تلك المعاني فيصح قوله لقاك الخير ، ويصح قول الأعمى لقيت الأمير ، ويصح قول البصير لقيته بمعنى رأيته وما لقيته بمعنى ما وصلت إليه ، وإذا ثبت هذا فنقول قوله: { وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } مذكور في معرض الذم لهم ، فوجب أن يكون رجاء اللقاء حاصلًا ، ومسمى اللقاء مشترك بين الوصول المكاني ، وبين الوصول بالرؤية ، وقد تعذر الأول فتعين الثاني ، وقوله المراد من اللقاء الوصول إلى حكمه صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل ، فثبت دلالة الآية على صحة الرؤية بل على وجوبها ، بل على أن إنكارها ليس إلا من دين الكفار .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت