فهرس الكتاب

الصفحة 5406 من 8321

المسألة الثالثة: قوله: { لَوْلا أُنزِلَ } معناه هلا أنزل ، قال الكلبي ومقاتل: نزلت هذه الآية في أبي جهل والوليد وأصحابهما الذين كانوا منكرين للنبوة والبعث .

أما قوله تعالى: { لَقَدِ استكبروا فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا } فاعلم أن هذا هو الجواب عن تلك الشبهة ، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: في تقرير كونه جوابًا ، وذلك من وجوه: أحدها: أن القرآن لما ظهر كونه معجزًا فقد ثبتت دلالة نبوة محمد A ، فبعد ذلك يكون اقتراح أمثال هذه الآيات لا يكون إلا محض الاستكبار والتعنت وثانيها: أن نزول الملائكة لو حصل لكان أيضًا من جملة المعجزات ولا يدل على الصدق لخصوص كونه بنزول الملك ، بل لعموم كونه معجزًا ، فيكون قبول ذلك المعجز ورد ذلك المعجز الآخر ترجيحًا لأحد المثلين على الآخر من غير مزيد فائدة ومرجح ، وهو محض الاستكبار والتعنت وثالثها: أنهم بتقدير أن يروا الرب ويسألوه عن صدق محمد A وهو سبحانه يقول نعم هو رسولي ، فذلك لا يزيد في التصديق على إظهار المعجز على يد محمد A ، لأنا بينا أن المعجز يقوم مقام التصديق بالقول إذ لا فرق وقد ادعى النبوة بين أن يقول اللهم إن كنت صادقًا فأحيى هذا الميت فيحييه الله تعالى والعادة لم تجر بمثله وبين أن يقول له صدقت ، وإذا كان التصديق الحاصل بالقول أو الحاصل بالمعجز تعيين في كونه تصديقًا للمدعى كان تعيين أحدهما محض الاستكبار والتعنت ورابعها: وهو أنا نعتقد أن الله سبحانه وتعالى يفعل بحسب المصالح على ما يقوله المعتزلة ، أن نقول إن الله تعالى يفعل بحسب المشيئة عى ما يقوله أصحابنا ، فإن كان الأول لم يجز لهم أن يعينوا المعجز إذ ربما كان إظهار ذلك المعجز مشتملًا على مفسدة لا يعرفها إلا الله تعالى ، وكان التعيين استكبارًا وعتوًا من حيث إنه لما ظنه مصلحة قطع بكونه مصلحة ، فمن قال ذلك فقد اعتقد في نفسه أنه عالم بكل المعلومات ، وذلك استكبار عظيم ، وإن كان الثاني وهو قول أصحابنا فليس للعبد أن يقترح على ربه فإنه سبحانه فعال لما يريد فكان الاقتراح استكبارًا وعتوًا وخروجًا عن حد العبودية إلى مقام المنازعة والمعارضة وخامسها: وهو أن المقصود من بعثة الأنبياء الإحسان إلى الخلق فالملك الكبير إذا أحسن إلى بعض الضعفاء رحمة عليه فأخذ ذلك الضعيف إلى اللجاج والنزاع ، ويقول لا أريد هذا بل أريد ذاك ، حسن أن يقال إن هذا المكدي قد استكبر في نفسه وعتا عتوًا شديدًا من حيث لا يعرف قدر نفسه ومنتهى درجته فكذا ههنا وسادسها: يمكن أن يكون المراد أن الله تعالى قال لو علمت أنهم ما ذكروا هذا السؤال لأجل الاستكبار والعتو الشديد لأعطيتهم مقترحهم ، ولكني علمت أنهم ذكروا هذا الاقتراح لأجل الاستكبار والتعنت فلو أعطيتهم مقترحهم لما انتفعوا به فلا جرم لا أعطيهم ذلك ، وهذا التأويل يعرف من اللفظ وسابعها: لعلهم سمعوا من أهل الكتاب أن الله تعالى لا يرى في الدنيا ، وأنه تعالى لا ينزل الملائكة في الدنيا على عوام الخلق ، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك على سبيل التعنت أو على سبيل الاستهزاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت