اعلم أن أمر الرسالة إنما يتم بالمرسل وهو الله سبحانه وتعالى والمرسل وهو الرسول ، والمرسل إليه ، وهو الأمة ، فلما أمر في الآية الأولى الرسول بالتبليغ والإنذار مع قلب قوي ، وعزم صحيح أمر المرسل إليه . وهم الأمة بمتابعة الرسول . فقال: { اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ } وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قال الحسن: يا ابن آدم ، أمرت باتباع كتاب الله وسنة رسوله .
واعلم أن قوله: { اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ } يتناول القرآن والسنة .
فإن قيل: لماذا قال: { أُنزِلَ إِلَيْكُمُ } وإنما أنزل على الرسول .
قلنا: إنه منزل على الكل بمعنى أنه خطاب للكل .
إذا عرفت هذا فنقول: هذه الآية تدل على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس لا يجوز لأن عموم القرآن منزل من عند الله تعالى . والله تعالى أوجب متابعته ، فوجب العمل بعموم القرآن ولما وجب العمل به امتنع العمل بالقياس ، وإلا لزم التناقض .
فإن قالوا: لما ورد الأمر بالقياس في القرآن . وهو قوله: { فاعتبروا } [ الحشر: 2 ] كان العمل بالقياس عملًا بما أنزل الله .
قلنا: هب أنه كذلك إلا أنا نقول: الآية الدالة على وجوب العمل بالقياس إنما تدل على الحكم المثبت بالقياس ، لا ابتداء بل بواسطة ذلك القياس . وأما عموم القرآن ، فإنه يدل على ثبوت ذلك الحكم ابتداء لا بواسطة ، ولما وقع التعارض كان الذي دل عليه ما أنزله الله ابتداء أولى بالرعاية من الحكم الذي دل عليه ما أنزله الله بواسطة شيء آخر ، فكان الترجيح من جانبنا . والله أعلم .
المسألة الثانية: قوله تعالى: { وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } قالوا معناه ولا تتولوا من دونه أولياء من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع . ولقائل أن يقول: الآية تدل على أن المتبوع إما أن يكون هو الشيء الذي أنزله الله تعالى أو غيره .
أما الأول: فهو الذي أمر الله باتباعه .
وأما الثاني: فهو الذي نهى الله عن اتباعه ، فكان المعنى أن كل ما يغاير الحكم الذي أنزله الله تعالى فإنه لا يجوز إتباعه .
إذا ثبت هذا فنقول: إن نفاة القياس تمسكوا به في نفي القياس . فقالوا الآية تدل على أنه لا يجوز متابعة غير ما أنزل الله تعالى والعمل بالقياس متابعة لغير ما أنزله الله تعالى ، فوجب أن لا يجوز .
فإن قالوا: لما دل قوله فاعتبروا على العمل بالقياس كان العمل بالقياس عملًا بما أنزله الله تعالى أجيب عنه بأن العمل بالقياس ، لو كان عملًا بما أنزله الله تعالى ، لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافرًا لقوله تعالى: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الكافرون } [ المائدة: 44 ] وحيث أجمعت الأمة على عدم التكفير علمنا أن العمل بحكم القياس ليس عملًا بما أنزله الله تعالى ، وحينئذ يتم الدليل .