فهرس الكتاب

الصفحة 3034 من 8321

{ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم } [ التوبة: 32 ] وفي موضع أخر { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ } [ الصف: 8 ] وهما بمعنى واحد . والرابع: تقدير الكلام: أن هذا الكتاب أنزله الله عليك ، وإذا علمت أنه تنزيل الله تعالى ، فاعلم أن عناية الله معك ، وإذا علمت هذا فلا يكن في صدرك حرج ، لأن من كان الله حافظًا له وناصرًا ، لم يخف أحدًا ، وإذا زال الخوف والضيق عن القلب ، فاشتغل بالإنذار والتبليغ والتذكير اشتغال الرجال الأبطال ، ولا تبال بأحد من أهل الزيغ والضلال والإبطال .

ثم قال: { وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ } قال ابن عباس: يريد مواعظ للمصدقين . قال الزجاج: وهو اسم في موضع المصدر . قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة ، وفي محل ذكرى من الإعراب وجوه قال الفراء: يجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: لتنذر به ولتذكر ، ويجوز أن يكون رفعًا بالرد على قوله: { كِتَابٌ } والتقدير: كتاب حق وذكرى ، ويجوز أيضًا أن يكون التقدير ، وهو ذكرى ، ويجوز أن يكون خفضًا ، لأن معنى لتنذر به ، لأن تنذر به فهو في موضع خفض ، لأن المعنى للإنذار والذكرى .

فإن قيل: لم قيد هذه الذكرى بالمؤمنين؟

قلنا: هو نظير قوله تعالى: { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 2 ] والبحث العقلي فيه أن النفوس البشرية على قسمين: نفوس بليدة جاهلة ، بعيدة عن عالم الغيب ، غريقة في طلب اللذات الجِسْمانية ، والشهوات الجسدانية ونفوس شريفة مشرقة بالأنوار الإلهية مستعدة بالحوادث الروحانية ، فبعثة الأنبياء والرسل في حق القسم الأول ، إنذار وتخويف ، فإنهم لما غرقوا في نوم الغفلة ورقدة الجهالة ، احتاجوا إلى موقظ يوقظهم ، وإلى منبه ينبههم . وأما في حق القسم الثاني فتذكير وتنبيه ، وذلك لأن هذه النفوس بمقتضى جواهرها الأصلية مستعدة للانجذاب إلى عالم القدس والاتصال بالحضرة الصَّمدية ، إلا أنه ربما غشيها غواش من عالم الجسم ، فيعرض لها نوع ذهول وغفلة ، فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصل بها أنوار أرواح رسل الله تعالى ، تذكرت مركزها وأبصرت منشأها ، واشتاقت إلى ما حصل هنالك من الروح والراحة والريحان ، فثبت أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب على رسوله ليكون إنذارًا في حق طائفة ، وذكرى في حق طائفة أخرى ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت