اعلم أن هذا اعتبار حال أخرى من أحوال الإنسان ، وذلك أنا نرى أكيس الناس وأكثرهم عقلًا وفهمًا يفنى عمره في طلب القدر القليل من الدنيا ولا يتيسر له ذلك ، ونرى أجهل الخلق وأقلهم عقلًا وفهمًا تنفتح عليه أبواب الدنيا ، وكل شيء خطر بباله ودار في خياله فإنه يحصل له في الحال ، ولو كان السبب جهد الإنسان وعقله لوجب أن يكون الأعقل أفضل في هذه الأحوال ، فلما رأينا أن الأعقل أقل نصيبًا ، وأن الأجهل الأخس أوفر نصيبًا ، علمنا أن ذلك بسبب قسمة القسام ، كما قال تعالى: { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى الحياة الدنيا } [ الزخرف: 32 ] وقال الشافعي C تعالى:
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
واعلم أن هذا التفاوت غير مختص بالمال بل هو حاصل في الذكاء والبلادة والحسن والقبح والعقل والحمق والصحة والسقم والاسم الحسن والاسم القبيح ، وهذا بحر لا ساحل له وقد كنت مصاحبًا لبعض الملوك في بعض الأسفار ، وكان ذلك الملك كثير المال والجاه ، وكانت الجنائب الكثيرة تقاد بين يديه ، وما كان يمكنه ركوب واحد منها ، وربما حضرت الأطعمة الشهية والفواكه العطرة عنده ، وما كان يمكنه تناول شيء منها ، وكان الواحد منا صحيح المزاج قوي البنية كامل القوة ، وما كان يجد ملء بطنه طعامًا ، فذلك الملك وإن كان يفضل على هذا الفقير في المال ، إلا أن هذا الفقير كان يفضل على ذلك الملك في الصحة والقوة ، وهذا باب واسع إذا اعتبره الإنسان عظم تعجبه منه .
أما قوله: { فَمَا الذين فُضِّلُواْ بِرَآدّى رِزْقِهِمْ على مَا مَلَكَتْ أيمانهم } ففيه قولان:
القول الأول: أن المراد من هذا الكلام تقرير ما سبق في الآية المتقدمة من أن السعادة والنحوسة لا يحصلان إلا من الله تعالى ، والمعنى أن الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعًا فهم في رزقي سواء فلا يحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئًا من الرزق ، وانما ذلك رزقي أجريته إليهم على أيديهم وحاصل القول فيه أن المقصود منه بيان أن الرازق هو الله تعالى وأن المالك لا يرزق العبد بل الرازق للعبد والمولى هو الله تعالى ، وتحقيق القول أنه ربما كان العبد أكمل عقلًا وأقوى جسمًا وأكثر وقوفًا على المصالح والمفاسد من المولى ، وذلك يدل على أن ذلة ذلك العبد وعزة ذلك المولى من الله تعالى كما قال: { تُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء } [ آل عمران: 26 ] .
والقول الثاني: أن المراد من هذه الآية الرد على من أثبت شريكًا لله تعالى ، ثم على هذا القول ففيه وجهان: الأول: أن يكون هذا ردًا على عبدة الأوثان والأصنام ، كأنه قيل: إنه تعالى فضل الملوك على مماليكهم ، فجعل المملوك لا يقدر على ملك مع مولاه ، فلما لم تجعلوا عبيدكم معكم سواء في الملك ، فكيف تجعلون هذه الجمادات معي سواء في المعبودية ، والثاني: قال ابن عباس Bهما: نزلت هذه الآية في نصارى نجران حين قالوا: إن عيسى ابن مريم ابن الله ، فالمعنى أنكم لا تشركون عبيدكم فيما ملكتم فتكونوا سواء ، فكيف جعلتم عبدي ولدًا لي وشريكًا في الإلهية؟