والمعنى يقال لهم ذلك وفيه مسائل:
المسألة الأولى: منهم من قال قوله: { كُلُواْ } ليس بأمر إيجاب ولا ندب ، لأن الآخرة ليست دار تكليف ، ومنهم من قال: لا يبعد أن يكون ندبًا ، إذا كان الغرض منه تعظيم ذلك الإنسان وإدخال السرور في قلبه .
المسألة الثانية: إنما جمع الخطاب في قوله: { كلوا } بعد قوله { فهو في عيشة } [ الحاقة: 21 ] لقوله: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ } [ الحاقة: 19 ] ومن مضمن معنى الجمع .
المسألة الثالثة: قوله: { مَا أَسْلَفْتُمْ } أي قدمتم من أعمالكم الصالحة ، ومعنى الإسلاف في اللغة تقديم ما ترجو أن يعود عليك بخير فهو كالإقراض . ومنه يقال: أسلف في كذا إذا قدم فيه ماله ، والمعنى بما عملتم من الأعمال الصالحة: والأيام الخالية ، المراد منها أيام الدنيا والخالية الماضية ، ومنه قوله: { وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِى } [ الأحقاف: 17 ] و { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ } [ البقرة: 134 ] وقال الكلبي: { بِمَا أَسْلَفْتُمْ } يعني الصوم ، وذلك أنهم لما أمروا بالأكل والشرب ، دل ذلك على أنه لمن امتنع في الدنيا عنه بالصوم ، طاعة لله تعالى .
المسألة الرابعة: قوله: { بِمَا أَسْلَفْتُمْ } يدل على أنهم إنما استحقوا ذلك الثواب بسبب عملهم ، وذلك يدل على أن العمل موجب للثواب ، وأيضًا لو كانت الطاعات فعلًا لله تعالى لكان قد أعطى الإنسان ثوبًا لا على فعل فعله الإنسان ، وذلك محال وجوابه معلوم .