فهرس الكتاب

الصفحة 3817 من 8321

اعلم أن القوم لما أوردوا أنواع الشبهات التي حكاها الله تعالى عنهم فيما تقدم من هذه السورة وأجاب الله عنها بالأجوبة التي فسرناها وقررناها ، عدلوا إلى طريق آخر ، وهو أنهم هددوه وخوفوه وزعموا أنا أصحاب التبع والمال ، فنسعى في قهرك وفي إبطال أمرك ، والله سبحانه أجاب عن هذا الطريق بقوله: { وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعًا } .

واعلم أن الإنسان إنما يحزن من وعيد الغير وتهديده ومكره وكيده ، لو جوز كونه مؤثرًا في حاله ، فإذا علم من جهة علام الغيوب أن ذلك لا يؤثر ، خرج من أن يكون سببًا لحزنه . ثم إنه تعالى كما أزال عن الرسول حزن الآخرة بسبب قوله: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [ يونس: 62 ] فكذلك أزال حزن الدنيا بقوله: { وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعًا } فإذا كان الله تعالى هو الذي أرسله إلى الخلق وهو الذي أمره بدعوتهم إلى هذا الدين كان لا محالة ناصرًا له ومعينًا ، ولما ثبت أن العزة والقهر والغلبة ليست إلا له ، فقد حصل الأمن وزال الخوف .

فإن قيل: فكيف آمنه من ذلك ولم يزل خائفًا حتى احتاج إلى الهجرة والهرب ، ثم من بعد ذلك يخاف حالًا بعد حال؟

قلنا: إن الله تعالى وعده الظفر والنصرة مطلقًا والوقت ما كان معينًا ، فهو في كل وقت كان يخاف من أن لا يكون هذا الوقت المعين ذلك الوقت ، فحينئذ يحصل الانكسار والانهزام في هذا الوقت .

وأما قوله تعالى: { إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعًا } ففيه أبحاث:

البحث الأول: قال القاضي: إن العزة بالألف المكسورة وفي فتحها فساد يقارب الكفر لأنه يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون: { إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعًا } وأن الرسول E كان يحزنه ذلك . أما إذا كسرت الألف كان ذلك استئنافًا ، وهذا يدل على فضيلة علم الإعراب . قال صاحب «الكشاف» : وقرأ أبو حيوة { أنَّ العزة } بالفتح على حذف لام العلة يعني: لأن العزة على صريح التعليل .

البحث الثاني: فائدة { إِنَّ العزة للَّهِ } في هذا المقام أمور: الأول: المراد منه أن جميع العزة والقدرة هي لله تعالى يعطي ما يشاء لعباده ، والغرض منه أنه لا يعطي الكفار قدرة عليه ، بل يعطيه القدرة عليهم حتى يكون هو بذلك أعز منهم ، فآمنه الله تعالى بهذا القول من إضرار الكفار به بالقتل والإيذاء ، ومثله قوله تعالى: { كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } [ المجادلة: 21 ] { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } [ غافر: 51 ] الثاني: قال الأصم: المراد أن المشركين يتعززون بكثرة خدمهم وأموالهم ويخوفونك بها وتلك الأشياء كلها لله تعالى فهو القادر على أن يسلب منهم كل تلك الأشياء وأن ينصرك وينقل أموالهم وديارهم إليك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت