فهرس الكتاب

الصفحة 6820 من 8321

أمر بالتوحيد ، وفيه لطائف . الأولى: قوله تعالى: { فَفِرُّواْ } ينبىء عن سرعة الإهلاك كأنه يقول الإهلاك والعذاب أسرع وأقرب من أن يحتمل الحال الإبطاء في الرجوع ، فافزعوا إلى الله سريعًا وفروا . الثانية: قوله تعالى: { إِلَى الله } بيان المهروب إليه ولم يذكر الذي منه الهرب لأحد وجهين ، إما لكونه معلومًا وهو هول العذاب أو الشيطان الذي قال فيه: { إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوًّا } [ فاطر: 6 ] وإما ليكون عامًا كأنه يقول: كل ما عدا الله عدوكم ففروا إليه من كل ما عداه ، وبيانه وهو أن كل ما عداه فإنه يتلف عليك رأس مالك الذي هو العمر ، ويفوت عليك ما هو الحق والخير ، ومتلف رأس المال مفوت الكمال عدو ، وأما إذا فررت إلى الله وأقبلت على الله فهو يأخذ عمرك ولكن يرفع أمرك ويعطيك بقاء لا فناء معه . والثالثة: الفاء للترتيب معناه إذا ثبت أن خالق الزوجين فرد ففروا إليه واتركوا غيره تركًا مؤبدًا . الرابعة: في تنوع الكلام فائدة وبيانها هو أن الله تعالى قال: { والسماء بنيناها } [ الذاريات: 47 ] { والأرض فرشناها } [ الذاريات: 48 ] { وَمِن كُلّ شَىْء خَلَقْنَا } [ الذاريات: 49 ] ثم جعل الكلام للنبي عليه السلام وقال: { فَفِرُّواْ إِلَى الله إِنّى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } ولم يقل ففروا إلينا ، وذلك لأن لاختلاف الكلام تأثيرًا ، وكذلك لاختلاف المتكلمين تأثيرًا ، ولهذا يكثر الإنسان من النصائح مع ولده الذي حاد عن الجادة ، ويجعل الكلام مختلفًا ، نوعًا ترغيبًا ونوعًا ترهيبًا ، وتنبيهًا بالحكاية ، ثم يقول لغيره تكلم معه لعلّ كلامك ينفع ، لما في أذهان الناس أن اختلاف المتكلمين واختلاف الكلام كلاهما مؤثر ، والله تعالى ذكر أنواعًا من الكلام وكثيرًا من الاستدلالات والآيات وذكر طرفًا صالحًا من الحكايات ، ثم ذكر كلامًا من متكلم آخر هو النبي A ، ومن المفسرين من يقول تقديره فقل لهم ففروا وقوله: { إِنّى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ } إشارة إلى الرسالة .

وفيه أيضًا لطائف . إحداها: أن الله تعالى بيّن عظمته بقوله: { والسماء بنيناها } { والأرض فرشناها } وهيبته بقوله: { فنبذناهم فِى اليم } [ القصص: 40 ] وقوله تعالى: { أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم } [ الذاريات: 48 ] وقوله: { فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة } [ النساء: 153 ] وفيه إشارة إلى أنه تعالى إذا عذب قدر على أن يعذب بما به البقاء والوجود وهو التراب والماء والهواء والنار ، فحكايات لوط تدل على أن التراب الذي منه الوجود والبقاء إذا أراد الله جعله سبب الفناء والماء كذلك في قوم فرعون والهواء في عاد والنار في ثمود ، ولعلّ ترتيب الحكايات الأربع للترتيب الذي في العناصر الأربعة وقد ذكرنا في سورة العنكبوت شيئًا منه ، ثم إذا أبان عظمته وهيبته قال لرسوله عرفهم الحال وقل أنا رسول بتقديم الآيات وسرد الحكايات فلإردافه بذكر الرسول فائدة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت