فهرس الكتاب

الصفحة 4054 من 8321

اعلم أنه لما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير الذي ذكره يوسف عليه السلام استحسنه الملك فقال: ائتوني به ، وهذا يدل على فضيلة العلم ، فإنه سبحانه جعل علمه سببًا لخلاصه من المحنة الدنيوية ، فكيف لا يكون العلم سببًا للخلاص من المحن الأخروية ، فعاد الشرابي إلى يوسف عليه السلام قال أجب الملك ، فأبى يوسف عليه السلام أن يخرج من السجن إلا بعد أن ينكشف أمره وتزول التهمة بالكلية عنه . وعن النبي A قال: « عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه لما أخبرتهم حتى اشترطت أن يخرجوا لي ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال: { ارجع إلى رَبّكَ } ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبثت لأسرعت الإجابة وبادرتهم إلى الباب؛ ولما ابتغيت العذر أنه كان حليمًا ذا أناة »

واعلم أن الذي فعله يوسف من الصبر والتوقف إلى أن تفحص الملك عن حاله هو اللائق بالحزم والعقل ، وبيانه من وجوه: الأول: أنه لو خرج في الحال فربما كان يبقى في قلب الملك من تلك التهمة أثرها ، فلما التمس من الملك أن يتفحص عن حال تلك الواقعة دل ذلك على براءته من تلك التهمة فبعد خروجه لا يقدر أحد أن يلطخه بتلك الرذيلة وأن يتوسل بها إلى الطعن فيه . الثاني: أن الإنسان الذي بقي في السجن اثنتي عشرة سنة إذا طلبه الملك وأمر بإخراجه الظاهر أنه يبادر بالخروج ، فحيث لم يخرج عرف منه كونه في نهاية العقل والصبر والثبات ، وذلك يصير سببًا لأن يعتقد فيه بالبراءة عن جميع أنواع التهم ، ولأن يحكم بأن كل ما قيل فيه كان كذبًا وبهتانًا . الثالث: أن التماسه من الملك أن يتفحص عن حاله من تلك النسوة يدل أيضًا على شدة طهارته إذ لو كان ملوثًا بوجه ما ، لكان خائفًا أن يذكر ما سبق . الرابع: أنه حين قال للشرابي: { اذكرنى عِندَ رَبّكَ } فبقي بسبب هذه الكلمة في السجن بضع سنين وههنا طلبه الملك فلم يلتفت إليه ولم يقم لطلبه وزنًا ، واشتغل بإظهار براءته عن التهمة ، ولعله كان غرضه عليه السلام من ذلك أن لا يبقى في قلبه التفات إلى رد الملك وقبوله ، وكان هذا العمل جاريًا مجرى التلافي لما صدر من التوسل إليه في قوله: { اذكرنى عِندَ رَبّكَ } ليظهر أيضًا هذا المعنى لذلك الشرابي ، فإنه هو الذي كان واسطة في الحالتين معًا .

أما قوله: { وَقَالَ الملك ائتونى بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرسول } ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير والكسائي { فسله } بغير همز والباقون { رَبّكَ فَاسْأَلْهُ } بالهمز ، وقرأ عاصم برواية أبي بكر عنه { النسوة } بضم النون والباقون بكسر النون ، وهما لغتان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت